لا يقتصر المشهد في مسار الحرب على إيران على المواجهة العسكرية المباشرة، بل يمتد ليشمل أبعادًا سياسية واقتصادية واستراتيجية أوسع، إذ تتزايد المؤشرات على أن الحرب تتحول تدريجيًا إلى حرب استنزاف طويلة، وليست مواجهة قصيرة كما كان متوقعًا في بدايتها.
وتشير المعطيات إلى وجود فجوة واضحة داخل دولة الاحتلال بين ما يُعلن رسميًا بشأن الخسائر والأضرار، وما يُتداول في وسائل الإعلام والتقارير غير الرسمية، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها إسرائيل على المستويين العسكري والاقتصادي.
وفي الوقت ذاته، تُظهر المواقف الأمريكية حالة من التذبذب السياسي، خاصة في ظل التصريحات المتناقضة بشأن استمرار الحرب أو وقفها، وهو ما يعكس تعقيدات القرار الأمريكي المرتبط بالحسابات الداخلية والضغوط الخارجية.
خسائر غير مُعلنة
يقول الخبير في الشأن الإسرائيلي محمود يزبك لـ "فلسطين أون لاين" إن قراءة مجريات الحرب على إيران لا يمكن أن تتم فقط من خلال البيانات العسكرية الرسمية، بل يجب النظر أيضًا إلى ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي، وكذلك إلى حجم الخسائر غير المعلنة، مشيرًا إلى أن "إسرائيل تتبع في كل حروبها سياسة التعتيم الإعلامي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالخسائر في القواعد العسكرية أو المنشآت الحيوية، ولذلك فإن الفجوة بين ما يُعلن رسميًا وما يُتداول في الإعلام العبري ومنصات التواصل عادة ما تكون كبيرة".

الباحث في الشأن الإسرائيلي، محمود يزيك
ويضيف: "من خلال متابعة الإعلام الإسرائيلي، يمكن ملاحظة وجود حديث متزايد عن أضرار في منشآت عسكرية وبنية تحتية حساسة، إضافة إلى خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة تعطّل الموانئ والمطارات وتراجع الاستثمارات. هذه الخسائر لا يُعلن عنها بشكل واضح، لكن تأثيرها يظهر في النقاشات داخل الكنيست ووسائل الإعلام الاقتصادية".
وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، يرى يزبك أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتناقضة ليست عشوائية، بل تعكس صراعًا داخل الإدارة الأمريكية بين الرغبة في إنهاء الحرب بسرعة، وعدم الظهور بمظهر الضعيف أمام (إسرائيل).
ويقول: "يتحدث ترامب أحيانًا عن وقف الحرب، ثم يعود في اليوم التالي للحديث عن ضرورة استمرار الضغط على إيران. هذا التناقض يعكس حسابات انتخابية داخلية من جهة، وضغوط اللوبي الإسرائيلي من جهة أخرى. لذلك يمكن القول إن واشنطن ليست قادرة بالكامل على فرض وقف الحرب، حتى لو أرادت ذلك".
ويرى يزبك أن إيران نجحت حتى الآن في إدارة المواجهة بطريقة تعتمد على "الاستنزاف طويل المدى"، وليس المواجهة المباشرة فقط، موضحًا: "إيران لا تقاتل بالصواريخ فحسب، بل تستخدم أدوات الاقتصاد والنفط والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية، وتسعى إلى إطالة أمد الحرب لتحويلها إلى عبء اقتصادي وسياسي على إسرائيل والولايات المتحدة".
اقرأ أيضًا: الصمادي: المواجهة الإسرائيليَّة – الأمريكيَّة تتجاوز النووي نحو كسر ميزان الردع
ويختم قائلًا: "إذا استمرت الحرب بهذا الشكل، فإن الخسارة الاستراتيجية لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية ونفسية داخل المجتمع الإسرائيلي، لأن الإسرائيليين غير معتادين على حروب طويلة ومكلفة، وهذا بحد ذاته عنصر قوة في الاستراتيجية الإيرانية".
ليست مجرد مواجهة عسكرية
من جانبه، يقول المحلل السياسي اللبناني غسان ريفي لـ"فلسطين أون لاين" إن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي صراع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، موضحًا أن "هذه الحرب ستحدد من يملك النفوذ في المنطقة خلال العقود القادمة".
ويضيف: "تدير إيران هذه الحرب بعقل بارد، ولا تتصرف بردود فعل عاطفية، بل وفق استراتيجية طويلة المدى تقوم على توزيع المواجهة في أكثر من ساحة، وعدم السماح للخصم بتركيز المعركة في مكان واحد، وهو ما يفسر استمرار قدرتها على المبادرة رغم شدة الضربات".
ويرى ريفي أن أحد أهم جوانب الحرب هو البعد الاقتصادي، موضحًا: "أي حرب في منطقة الخليج تعني فورًا ارتفاع أسعار النفط، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وهو ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره، وليس فقط على دول المنطقة. لذلك فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية وارتفاع كبير في الأسعار".
ويتابع: "تدرك إيران أن الاقتصاد هو نقطة الضعف الأساسية لدى الغرب، لذلك تركز على أوراق الضغط الاقتصادية مثل الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. هذه ليست حرب صواريخ فقط، بل حرب اقتصاد عالمي".
اقرأ أيضًا: تعثر الأهداف المبكرة للحرب على إيران... مؤشرات فشل للخطَّة الأمريكيَّة- الإسرائيليَّة
كما يشير إلى أن أسواق المال العالمية تتأثر بشكل مباشر بالحرب، قائلًا: "كلما تصاعدت وتيرة الحرب، تنخفض البورصات وترتفع أسعار الذهب والنفط، وتبدأ الشركات العالمية بالبحث عن طرق بديلة للنقل والإمداد. وهذا يعني أن تكلفة الحرب لا تتحملها إسرائيل وحدها، بل يتحملها الاقتصاد العالمي كله".
ويختم ريفي تصريحه بالقول: "المشكلة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب أن إيران دولة كبيرة ولديها قدرة عالية على التحمل، بينما يعتمد الطرف الآخر على حسم سريع. وإذا تحولت الحرب إلى حرب طويلة، فإن ميزان القوى قد يتغير تدريجيًا لصالح إيران، ليس بسبب انتصار عسكري مباشر، بل نتيجة القدرة على الصمود والاستنزاف".

