يقف قطاع النقل والمواصلات في قطاع غزة على حافة انهيار غير مسبوق، مع استمرار الحرب والحصار، ومنع إدخال المستلزمات التشغيلية الأساسية، الأمر الذي يهدد بشلل واسع في حركة النقل والخدمات اللوجستية ويضاعف من الأزمات الإنسانية التي يعانيها السكان.
وتتصاعد التحذيرات من أن توقف هذا القطاع الحيوي لن يقتصر على حركة المركبات والشاحنات فحسب، بل سيمتد تأثيره إلى قطاعات النظافة والصرف الصحي ونقل البضائع والمساعدات الإنسانية، ما ينذر بتداعيات خطيرة على مختلف مناحي الحياة في القطاع.
ودقّ جهاد أسليم، نائب رئيس جمعية أصحاب شركات النقل الخاص في غزة، ناقوس الخطر، محذرًا من اقتراب قطاع النقل البري من مرحلة التوقف الكامل نتيجة الاستنزاف الحاد للزيوت والمحروقات، واستمرار منع إدخال قطع الغيار الأساسية والبطاريات والإطارات.

وأوضح أسليم لصحيفة "فلسطين" أن الأزمة الحالية تضرب بشكل مباشر الشاحنات والمركبات العاملة في القطاعات الحيوية، مؤكدًا أن استمرار الظروف الراهنة سيؤدي إلى شلل كامل في أسطول النقل، الأمر الذي سينعكس بصورة كارثية على حركة البضائع والخدمات اللوجستية المقدمة للمواطنين والمؤسسات الإنسانية والقطاع الخاص.
ووجّه نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي والوسطاء وكافة الجهات المعنية للتدخل الفوري وإنقاذ القطاع، مطالبًا بالضغط من أجل فتح المعابر والسماح بإدخال المستلزمات التشغيلية الضرورية، ومؤكدًا أن توقف قطاع النقل سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها سكان غزة.
وأشار إلى أن كميات الزيوت التي دخلت القطاع مؤخرًا لا تتوافق مع المواصفات الفنية المطلوبة للشاحنات، ما يحدّ من إمكانية الاستفادة منها في تشغيل المركبات الثقيلة.
وبيّن أن النقص الحاد دفع بعض أصحاب الشاحنات إلى شراء مركبات كاملة بغرض تفكيكها واستخدامها كمصدر لقطع الغيار، واصفًا ذلك بالحل الاضطراري المكلف الذي يستنزف ما تبقى من قدرات العاملين المالية.
وفيما يتعلق بالنقل العمومي، حذر أسليم من تدهور الأوضاع الفنية للحافلات، موضحًا أن بعضها بات يعمل بأربعة إطارات فقط بدلًا من ستة، ما يشكل خطرًا مباشرًا على حياة الركاب ومستخدمي الطرق.
وأضاف أن الجمعية خاطبت مختلف الجهات المعنية، بما فيها وزارة النقل والمواصلات في رام الله والجانب الإسرائيلي، وتلقت وعودًا بالعمل على حل الأزمة، إلا أن الواقع الميداني ما زال يشير إلى استمرار منع إدخال المستلزمات اللازمة، مرجعًا ذلك إلى قرار سياسي إسرائيلي.
معاناة يومية
ولم تقتصر الأزمة على المؤسسات والنقابات، بل انعكست بشكل مباشر على حياة السائقين الذين يواجهون مستقبلًا مهنيًا ومعيشيًا غامضًا.
ويقول السائق عدي نبهان إن الأعطال المتكررة للمركبات أصبحت تشكل تحديًا يوميًا في ظل انعدام قطع الغيار اللازمة للإصلاح، مضيفًا: "إذا استمر الوضع على هذا الحال، سنضطر إلى التوقف نهائيًا عن العمل".
وأشار إلى أن النقص الحاد في الزيوت والإطارات يجعل تشغيل المركبات مخاطرة كبيرة، إذ إن أي عطل بسيط قد يعني خروجها من الخدمة بشكل دائم، مؤكدًا أن تراجع القدرة التشغيلية للمركبات ألحق خسائر فادحة بمصادر دخل السائقين وفاقم معاناتهم الاقتصادية.
أما السائق جمال نمر، فيجسد جانبًا آخر من الأزمة المتفاقمة. فبعد سنوات من العمل على مركبة "مرسيدس" تتسع لسبعة ركاب ويشارك في ملكيتها مع أحد أقاربه، اضطر إلى إجراء صيانة شاملة ومكلفة لمحركها قبل أن يبيعها بسعر متدنٍ لا يعكس قيمتها الحقيقية.
ولم تنتهِ معاناته عند هذا الحد؛ إذ اشترى مركبة أصغر تتسع لأربعة ركاب، لكنه واجه مشكلات متواصلة في البطارية، ما اضطره إلى الاستعانة بأبنائه وأصدقائه لدفع المركبة يدويًا كل صباح حتى يتمكن من تشغيلها والتوجه إلى عمله.
ويضيف أن المركبة تعطلت فجأة أثناء إحدى رحلاته، ليتبين لاحقًا أن السبب يعود إلى استخدام زيوت محركات مغشوشة ومتداولة في الأسواق، ما أدى إلى أضرار مباشرة في المحرك وتوقف المركبة عن العمل.
وبسبب هذه الأعطال المتكررة، بقي نمر لأكثر من عشرة أيام دون عمل أو دخل، واضطر إلى استدعاء ميكانيكي إلى مكان سكنه لإجراء الإصلاحات اللازمة، في وقت تواصل فيه تكاليف الصيانة وقطع الغيار استنزاف موارده المالية المحدودة.
ويؤكد أنه لا يزال عاجزًا عن العودة إلى العمل بصورة طبيعية، مع الارتفاع الكبير في تكاليف الإصلاح وصعوبة الحصول على المستلزمات الأساسية لتشغيل المركبات.
خسائر واسعة
وتأتي هذه الأزمة في سياق تداعيات الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي تسببت في أضرار واسعة للبنية التحتية وقطاع النقل، إذ تضررت نحو 80% من شبكات الطرق الرئيسة والفرعية، في حين دُمّر ما يقارب 70% من إجمالي أسطول المركبات والشاحنات في القطاع.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار إغلاق المعابر أمام المستلزمات التشغيلية وقطع الغيار، ما يفاقم معاناة المواطنين ويجعل تنقلاتهم اليومية أكثر صعوبة، في وقت يواجه فيه قطاع النقل تحديات قد تدفعه إلى التوقف الكامل إذا لم يتم التدخل العاجل لإنقاذه.

