لم يكن الشاب أحمد وليد محارب (30 عامًا) يتوقع أن دقائق قليلة في ظهر 13 يوليو/تموز 2024 ستقلب حياته رأسًا على عقب، وتحوله من شاب يعمل في البرمجة ويخطط لمستقبله، إلى جريح يواجه فقدان قدميه وأصابع من يديه، إلى جانب صدمة فقدان والدته إلى الأبد.
في ذلك اليوم، لم يكن منزل العائلة مستهدفًا بشكل مباشر، لكن صاروخًا إسرائيليًا أصاب منزلًا مجاورًا، فامتد أثر الانفجار إلى المكان، ما أدى إلى إصابة أحمد ووالده وزوجته وشقيقه، في حين استشهدت والدته وزوجة شقيقه وأطفالها الثلاثة، لتبقى العائلة عالقة في مأساة لا تغيب تفاصيلها عن الذاكرة.
يستعيد أحمد مع صحيفة "فلسطين" تلك اللحظات بصعوبة، قائلًا: "أنا لا أذكر شيئًا من لحظة الاستهداف، فقدت الوعي بالكامل، ولم أستيقظ إلا بعد يومين في قسم العناية المركزة".
كانت المسافة بين الغياب واليقظة مثقلة بأحداث لم يشهدها بنفسه، بل عرفها لاحقًا من الآخرين، وعندما فتح عينيه للمرة الأولى لم يكن يدرك حجم الكارثة التي ألمّت به.

ويضيف: "عندما استيقظت قال لي الطبيب: ربنا يعوضك خيرًا في قدميك، عندها عرفت أن قدميّ بُترتا من فوق الركبة، لكن دون أي تفاصيل أخرى، ولم أكن قادرًا على استيعاب ما حدث".
ظل أحمد لساعات طويلة يحاول استيعاب ما جرى لجسده، قبل أن يبدأ أقاربه بإخباره تدريجيًا بحقيقة ما حدث، لتتجاوز الصدمة إصابته الجسدية إلى فقدان أحبته واحدًا تلو الآخر.
ويتابع بصوت يثقل الحزن كلماته: "أخبروني أن إصابتي كانت خطيرة جدًا، وأنني كنت في عداد الشهداء، ثم بدأت أستعيد وعيي تدريجيًا، وعرفت من أصيب ومن استشهد، وأصعب ما سمعته كان خبر استشهاد أمي.. لم أستطع حتى وداعها".
لم تتوقف معاناة أحمد عند حدود الفقد، إذ خلف الانفجار إصابات معقدة تمثلت في بتر القدمين من فوق الركبة، إضافة إلى بتر أصابع من اليدين اليمنى واليسرى، ما جعل رحلة العلاج طويلة وشاقة.
أمضى ما بين أربعة وخمسة أشهر داخل المستشفى، خضع خلالها لخمس عمليات جراحية في القدمين، إلى جانب عمليات تنظيف متكررة، متنقلًا بين غرف العمليات وأقسام الرعاية، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسده المنهك.
ويقول: "بعد انتهاء العمليات بدأت مرحلة جديدة من التحدي، وهي العلاج الطبيعي. كانت جلسات طويلة ومتعبة استمرت ثلاثة أشهر، لكنني تمسكت بالأمل للعودة إلى الحياة من جديد".
وخلال مرحلة التدريب على استخدام الأطراف الصناعية، ظهرت مشكلة جديدة، إذ كان الألم يرافقه بشكل مستمر، قبل أن يكتشف الأطباء وجود كسر في الحوض نتيجة شدة الإصابة.
ويشرح: "بسبب الكسر وعدم اكتشافه مبكرًا حدث توسع في منطقة الحوض، والتحم العظم بطريقة خاطئة، وعندما فحصني الأطباء أكدوا أنني بحاجة إلى عملية جراحية معقدة لقربها من العمود الفقري، ولا تتوفر إلا في مستشفيات خارج غزة مثل ألمانيا أو إيطاليا".
منذ ذلك الوقت، يعيش أحمد حالة انتظار ثقيلة، مترقبًا أي فرصة للعلاج قد تعيد له القدرة على استكمال رحلته الطبية، إذ إن هذه الإصابة أوقفت جلسات التأهيل وأجلت حلمه بالاعتماد على الأطراف الصناعية والعودة إلى الحركة والعمل.
يصمت قليلًا قبل أن يضيف: "أشعر أن حياتي توقفت عند تلك اللحظة، لا أستطيع إكمال العلاج الطبيعي، ولا تركيب الأطراف الصناعية قبل إجراء العملية المطلوبة".
قبل الحرب، كان أحمد يعمل مستقلًا في مجال البرمجة مع شركات خارجية، معتمدًا على خبرته التقنية ومعداته الخاصة لبناء مستقبله المهني، لكن الحرب لم تسلبه صحته وأفرادًا من عائلته فحسب، بل سلبته أيضًا أدوات عمله ومصدر رزقه.
ويختم حديثه: "فقدت البيت وكل ما أملك، واللابتوب وجهاز الحاسوب كانا رأس مالي الحقيقي. اليوم أنا عاجز عن العودة إلى العمل، وأنتظر فرصة علاج قد تعيد لي جزءًا من حياتي التي توقفت".
ومع تعثر رحلة العلاج، يقف أحمد أمام واقع قاسٍ بعدما توقفت مسيرة تأهيله بسبب حاجته إلى عملية جراحية متخصصة لا تتوفر في مستشفيات قطاع غزة، في ظل الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر وتقييد سفر الجرحى والمرضى. ومع ذلك، ما زال يتمسك بخيط أمل رفيع، بانتظار فرصة قد تعيد له القدرة على الوقوف من جديد فوق ما تبقى من أحلامه.

