فلسطين أون لاين

تقرير بعينٍ واحدة.. أريج السعافين تُلاحق حياةً سرقتها القذائف

...
الجريحة أريج السعافين
غزة/ نبيل سنونو

في طريق النزوح القسري إلى بيت خالتها، انهالت القذائف وتغيّر كل شيء. كانت أريج السعافين (26 عامًا) تمعن النظر في الوجوه لترسمها بـ"ألوان الفحم"، وتنسج ملامح مستقبلها كما تفعل بلوحاتها، قبل أن تجد نفسها عاجزة عن التركيز حتى في أبسط التفاصيل.

في منزلها بمخيم البريج وسط قطاع غزة، تمسك كتابًا وتحاول التحديق في سطوره طويلًا، كأنها تستعيد بعينيها ما تبقى من حياتها قبل الإصابة، التي أفقدتها عينها اليمنى و"قتلت شغفها في الحياة" كما تقول لـ "فلسطين أون لاين".

تروي أريج: "كنا نقضي النهار في بيتنا والليل في بيت خالتي.. يوم الإصابة خرجنا مبكرًا.. ونحن في الطريق ألقى الاحتلال علينا القذائف".

في تلك اللحظة، استشهد شقيقها أمين، وأصيبت هي ووالدتها، لتُفتح جراح فقدٍ قديم منذ استشهاد والدها سنة 2003.

تستعيد ما حدث بصوت مثقل: "عندما أفقت في المستشفى قالوا لي ما حدث مع أمين.. كنت أعرف، وسمعت الكلام كحلم.. لم يخبروني مباشرة عن فقدي لعيني اليمنى".

أصيبت أريج بنزيف داخلي في الدماغ والأمعاء، واستُؤصل جزء من أمعائها الدقيقة، فيما اضطر الأطباء لتفريغ عينها اليمنى للسيطرة على النزيف.

"كانت نسبة نجاح العملية أشبه بمعجزة"، تقول، مشيرة إلى أنها وُضعت تحت المراقبة لساعات فيما استودعها الأطباء الله، كما أخبروها.

لكن المعاناة لم تتوقف عند ذلك. وُضعت قطعة بلاستيكية في عينها اليمنى للحفاظ على شكلها، إلا أن غياب العلاج تسبب بالتهابات أثرت على عينها اليسرى أيضا، لتغدو الرؤية ضبابية، وتفقد قدرتها على المشي دون مساعدة.

5918162066139188618.jpg

لاحقًا، أُزيلت القطعة، وبقيت أريج تواجه انعكاس الإصابة على مظهرها وحياتها: "عيني اليسرى الآن سليمة، لكنني أريد كبقية البنات أن أعيش بشكل طبيعي.. أتعرض أحيانًا للتنمر، وأفضّل الجلوس في البيت".

قبل الإصابة، كانت أريج فنانة تشكيلية ترسم "البورتيريه" بالفحم منذ 12 عامًا، موهبة نمت معها منذ الطفولة بدعم إخوتها.

لكن الحرب لم تسلبها عينها فقط، بل سرقت لوحاتها أيضًا تحت القصف. تقول بنبرة متقطعة: "كنت أرسم بطلب من معارفي… صديقتي مثلا طلبت مني رسم خطيبها لتُهديه اللوحة".

لم تتوقع أريج يوما أن تصاب، لكنها حلمت أن أخاها أمين استشهد وأنها تقف في قطعة أرض تبدو سماءها سوداء وماطرة، كان قلبها منقبضا، وتدعو الله طوال الطريق.

اليوم، تغيّرت أريج من الداخل أيضًا: "أصبحت عصبية جدًا… لا أحتمل أي كلمة، بعدما كنت هادئة".

ورغم كل ذلك، تمكنت في 23 مارس/آذار الجاري من التخرج في اختصاص الخدمة الاجتماعية، بعد تعثر طويل بسبب الظروف المالية.

تحلم الآن بالتطوع في مجالها، لكنها تخشى أن تعيقها إصابتها، وتناشد السفر للعلاج، سواء لإجراء عملية تركيب عين تجميلية أو محاولة زراعة عين قد تعيد لها البصر.

غير أن إغلاق الاحتلال المعابر يحول دون سفرها، كما آلاف الجرحى.

تتحسس أريج نبض قلبها، المعلّق بين ما فقدته وما تأمله.. ولا تملك سوى الأمل والدعاء.

المصدر / فلسطين أون لاين