يستحضر الفلسطينيون محطة مفصلية من محطات النضال الفلسطيني بمرور الذكرى الخامسة لمعركة "سيف القدس"، التي أعادت رسم معادلات الصراع مع الاحتلال، حين توحدت غزة والقدس والضفة تحت عنوان واحد: الدفاع عن القدس والأقصى.
لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية استمرت 11 يوماً، بل رسالة واضحة بأن فلسطين جسد واحد، وأن الاعتداء على القدس سيواجه برد من المقاومة. خلال تلك الأيام، فرضت المقاومة حضورها بقوة، وأربكت حسابات الاحتلال بصواريخ وصلت إلى عمق المدن المحتلة، وأدخلت أسلحة نوعية غيّرت موازين المواجهة، وكشفت هشاشة الجبهة الداخلية للاحتلال أمام العالم.
لقد شكلت "سيف القدس" نقطة تحول في تاريخ المقاومة الفلسطينية، ورسخت قناعة لدى الفلسطينيين بأن إرادة الشعوب أقوى من آلة الحرب، وأن القدس ستبقى عنوان المعركة حتى الحرية والتحرير.
وانطلقت المعركة في مايو/أيار 2021 عقب تصاعد اعتداءات الاحتلال في القدس وحي الشيخ جراح والمسجد الأقصى، لتعلن المقاومة أن القدس ليست وحدها. ومع انتهاء المهلة التي وجهتها المقاومة للاحتلال، دوّت الصواريخ باتجاه القدس إيذانًا ببدء معركة استمرت 11 يومًا، أربكت حسابات الاحتلال وأدخلت ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ.
منعطف وطني وسياسي
ويرى أستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض، أن معركة سيف القدس شكّلت "منعطفًا وطنيًا وسياسيًا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، لأنها أعادت تعريف العلاقة بين الفلسطيني وأرضه ومقدساته، وربطت بين الجغرافيا الفلسطينية في غزة والقدس والضفة والداخل المحتل ضمن معادلة واحدة.
وأضاف خلال لصحيفة "فلسطين" أن ما جرى في مايو/أيار 2021 لم يكن مجرد جولة قتال عابرة، بل "إعلانًا فلسطينيًا واضحًا بأن القدس خط أحمر، وأن أي اعتداء عليها سيشعل المنطقة بأسرها".
وأوضح عوض أن المعركة حملت أبعادًا تتجاوز الجانب العسكري، إذ أعادت إحياء الروح الوطنية الفلسطينية بعد سنوات من الانقسام والجمود السياسي، قائلاً: "لأول مرة منذ سنوات طويلة شعر الفلسطيني، أينما كان، أن هناك حالة اشتباك موحدة تدافع عنه وعن رموزه الوطنية والدينية، وأن غزة لم تعد معزولة عن القدس أو الضفة".
وأكد أن "سيف القدس" أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية على المستوى الدولي بعد محاولات تهميشها، ودفعت وسائل الإعلام العالمية للعودة إلى الحديث عن الاحتلال وجرائمه بحق الفلسطينيين.
وأشار إلى أن أحد أهم نتائج المعركة تمثل في "كسر الهيمنة النفسية التي حاول الاحتلال ترسيخها لعقود"، مضيفًا: "الفلسطيني الذي شاهد صواريخ المقاومة تصل إلى القدس وتل أبيب شعر أن الاحتلال ليس قوة لا تُهزم، وأن ميزان الردع لم يعد أحاديًا كما كان يروج الإسرائيليون".
كما رأى عوض أن المعركة كشفت هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمام المواجهات الممتدة، وأظهرت أن الفلسطينيين قادرون على فرض معادلات جديدة رغم الحصار والإمكانات المحدودة.
وتابع: "الرسالة الأهم التي خرجت من سيف القدس هي أن الشعب الفلسطيني ما زال حيًا وقادرًا على المبادرة والتأثير، وأن كل محاولات كسر إرادته أو دفعه للاستسلام فشلت". وأضاف أن استمرار حضور المعركة في الوعي الفلسطيني بعد خمس سنوات يعود إلى كونها "مثّلت لحظة كرامة وطنية جامعة، شعر خلالها الفلسطيني بأنه يدافع عن نفسه وعن هويته ومستقبله".
وختم بالقول: "قد تختلف التقديرات السياسية حول نتائج المعارك، لكن المؤكد أن سيف القدس صنعت تحولًا عميقًا في الوعي الفلسطيني والإسرائيلي معًا، ورسخت قناعة لدى الفلسطينيين بأن مقاومتهم، مهما كانت الظروف، قادرة على تغيير المعادلات وفرض حضور القضية الفلسطينية من جديد على العالم".
آثار استراتيجية
من جهته، قال الخبير في الشأن الإسرائيلي البروفيسور إبراهيم أبو جابر: إن معركة سيف القدس تركت "آثارًا استراتيجية عميقة داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي"، موضحًا أن تداعياتها لم تتوقف عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى المؤسسة السياسية والأمنية والمجتمع الإسرائيلي بأكمله.
وأضاف لـ"فلسطين": "إسرائيل دخلت المعركة وهي تعتقد أنها قادرة على فرض معادلة ردع سريعة، لكنها خرجت وهي تواجه أسئلة صعبة تتعلق بقدرة جيشها على الحسم، وبمدى هشاشة جبهتها الداخلية أمام حرب طويلة نسبيًا".
وأشار أبو جابر إلى أن المعركة كشفت خللًا واضحًا في تقديرات حكومة الاحتلال آنذاك، قائلاً: "القيادة الإسرائيلية لم تتوقع أن تربط المقاومة بين غزة والقدس بهذا الشكل المباشر، ولم تدرك أن اقتحامات الأقصى ومحاولات تهجير أهالي الشيخ جراح يمكن أن تتحول إلى شرارة مواجهة واسعة".
وأضاف أن "هذا الفشل الاستخباري والسياسي تسبب بصدمة داخل (إسرائيل)، لأن المعركة نقلت الصراع من إطار أمني تقليدي إلى صراع مرتبط بالهوية والرمزية الدينية والوطنية".
وأكد أن من أبرز تداعيات "سيف القدس" ارتفاع مستوى الوعي بين فلسطينيي الداخل المحتل الذين سريعا ما قاموا بتظاهرات داعمة للقدس وغزة، موضحًا أن "(إسرائيل) اكتشفت خلال تلك الأيام أن أزمتها ليست فقط مع الفلسطينيين في غزة، بل أيضًا مع الفلسطينيين في الداخل المحتل والقدس والضفة أيضاً".
وأضاف: "المشهد الذي عاشته المدن العربية في الداخل المحتل أقلق المؤسسة الإسرائيلية أكثر من الصواريخ أحيانًا، لأنه كشف هشاشة ما كانت إسرائيل تسوقه باعتباره نموذجًا للتعايش والاستقرار الداخلي".
ورأى أبو جابر أن المعركة ألحقت ضررًا كبيرًا بصورة الردع الإسرائيلية، قائلاً: "حين تتوقف المطارات، ويهرب ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ، وتتعطل الحياة الاقتصادية لأيام، فإن ذلك يترك أثرًا نفسيًا واستراتيجيًا عميقًا".
وأضاف أن تكلفة المعركة الاقتصادية والأمنية "أثبتت أن أي مواجهة مستقبلية مع غزة لن تكون سهلة أو منخفضة الثمن بالنسبة لإسرائيل".
وأشار كذلك إلى أن نتائج المعركة انعكست على الحياة السياسية الإسرائيلية، موضحًا أن "النقاشات داخل دولة الاحتلال بعد سيف القدس تمحورت حول فشل الحكومة والجيش في تحقيق صورة نصر واضحة، وهو ما ساهم في تعميق أزمة الثقة بين الجمهور والمؤسسة السياسية". وأضاف: "حتى بعد مرور خمس سنوات، لا تزال مراكز الأبحاث والدوائر الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع سيف القدس باعتبارها نقطة تحول في فهم طبيعة الصراع مع الفلسطينيين".
وختم البروفيسور أبو جابر تصريحه بالقول: "المعركة لم تغيّر فقط شكل المواجهة، بل غيّرت طريقة تفكير الإسرائيليين أنفسهم تجاه غزة والمقاومة الفلسطينية. إسرائيل أدركت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم الصراع، وأن الفلسطينيين قادرون على فرض وقائع جديدة تربك الحسابات السياسية والأمنية مهما امتلك الاحتلال من تفوق عسكري".

