في لحظات الاشتباك الكبرى التي تتداخل فيها الجغرافيا بالشرعية، والسلاح بالخطاب الديني، تتكشف أزمات عميقة في بنية الوعي الإسلامي المعاصر، فحين اندلعت جولات القصف المتبادل في المنطقة، برزت موجة من التصريحات والبيانات الصادرة عن بعض علماء المسلمين تستنكر استهداف قواعد عسكرية أمريكية في دول عربية، متجاهلة -أو متغافلة- عن السياق الأوسع الذي سبق هذه الضربات، والمتمثل في بدء الولايات المتحدة وحلفائها عمليات عسكرية وعدوانية في الإقليم.
هذه المواقف هي تعبير عن إشكالية منهجية في فهم مبدأ رد العدوان في الإسلام، وهو مبدأ قرآني صريح لا لبس فيه، يقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُ﴾ كما يؤكد القرآن على شرعية الدفاع بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، هاتان القاعدتان تؤسسان لرؤية أخلاقية واضحة وهي أنّ الدفاع ليس عدواناً، ورد الاعتداء ليس خروجاً عن السلم، إنّما هو استعادة للتوازن المفقود.
لكن الإشكال المعاصر يتمثل في أن بعض الخطابات الدينية تتعامل مع القوة المهيمنة بوصفها واقعًا لا يُقاوَم، فتدين ردود الفعل الدفاعية قبل أن تُدين الفعل الأصلي الذي فجّر الصراع.
وهنا تنشأ مفارقة خطيرة وهي يتحول النص القرآني من مصدر لتحرير الإرادة إلى أداة لتقييدها عبر تأويلات انتقائية، بينما يُعاد إنتاج خطاب أخلاقي يحمّل الضحية مسؤولية التصعيد، ويطالبها بالصبر في لحظة يُطلب منها فيها أصلًا البقاء على قيد الحياة.
إن استنكار استهداف قواعد عسكرية لقوة بدأت العدوان يطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبح ميزان الإدانة مرتبطاً بطبيعة الفعل، أم بهوية الفاعل؟ وهل تحوّل فقه الواقع إلى فقه الخضوع لموازين القوة الدولية بدل أن يكون فقهاً لاستيعابها ومواجهتها؟
هذه الأسئلة هي أسئلة عقدية وأخلاقية تتعلق بوظيفة العالم، وحدود الفتوى، ومسؤولية الكلمة في زمن تُعاد فيه صياغة مفاهيم العدالة والشرعية بالقوة العسكرية والإعلامية معاً.
ردّ العدوان في الفقه الإسلامي بين النص والتأويل المعاصر
أنشأ الإسلام مفهوم القوة بوصفها آلية لضبط ميزان العدل حين يختلّ، ومن هنا جاءت شرعية القتال في القرآن محكومة بسياق واضح: دفع العدوان لا ابتداؤه، فالخطاب القرآني حين أذن بالقتال لم يقدّمه باعتباره خيار توسّع أو فرض نفوذ، إنّما باعتباره ضرورة وجودية لحماية الإنسان والعقيدة والكرامة.
إن الآيات المؤسسة لفقه الدفاع ترسم ما يمكن تسميته بـ "قاعدة التوازن الأخلاقي في الصراع"؛ حيث يصبح الرد على العدوان استعادةً لحق مسلوب، لا خروجاً على مبدأ السلم.
وفي السنة النبوية تتجلى هذه القاعدة في إدارة النبي ﷺ للصراعات العسكرية؛ إذ كان القتال آخر درجات حماية الجماعة من الإبادة أو الإكراه.
الفقهاء الكبار أدركوا هذا المعنى بوضوح، فقد قرر علماء مثل ابن تيمية أن قتال الدفع هو من أوجب الواجبات حين يتعرض المسلمون لعدوان يهدد وجودهم، معتبراً أن حفظ الدين والنفس يقدّم على اعتبارات السلم المؤقت.
كما أكد العز بن عبد السلام في مواقفه السياسية والفقهية أن مقاومة الظلم الخارجي واجب شرعي لا يسقط بحجة اختلال موازين القوة.
لكن الإشكال المعاصر يكمن في إعادة تأويل هذه القواعد ضمن مناخ دولي تهيمن عليه سرديات القوة العظمى، فبدل النظر إلى الرد العسكري بوصفه ردّاً دفاعياً على فعل ابتدائي، يتم تقديمه في بعض الخطابات بوصفه تصعيداً غير محسوب، وكأن معيار الحكم أصبح هو هوية الفاعل وموقعه في خارطة النفوذ الدولي.
وهنا تتشكل حالة يمكن وصفها بـ "تسييل المفاهيم الفقهية"؛ حيث يتم تفكيك الفارق بين العدوان الابتدائي والرد الدفاعي، فيتحول المعتدى عليه إلى متهم أخلاقي لأنه حاول استعادة التوازن بالقوة.
إن هذا الانزلاق المفاهيمي يهدد جوهر الفقه الإسلامي الذي قام على مبدأ العدل قبل الاستقرار، والحق قبل التوازنات السياسية.
ازدواجية المعايير في الإدانة الدينية للصراعات المسلحة
في خضم الصراعات الدولية، أصبحت الإدانة الدينية في بعض الأحيان موقفًا يتشكل تحت ضغط الجغرافيا السياسية، وليس معياراً ثابتاً يُقاس على أساس النص والمقاصد، فنجد أن ردود الفعل الدفاعية تُدان بسرعة لافتة، بينما يُعامل الفعل الأصلي الذي فجّر الصراع بوصفه سياقاً معقداً أو ضرورة أمنية.
هذه الظاهرة يمكن تسميتها بـ "فقه الاصطفاف القَلِق"؛ وهو فقه يستند إلى حسابات التحالفات والمخاوف، وفي هذا المناخ يتحول العالم من شاهد على الحقيقة إلى وسيط لغوي يخفف وقعها، فيعيد صياغة العدوان بمفردات محايدة، ويطالب الضحية بضبط النفس حتى وهي تتلقى الضربات.
التاريخ الإسلامي يقدم نماذج مغايرة تماماً، فقد وقف الإمام أحمد بن حنبل في وجه السلطة حين حاولت فرض رؤيتها العقدية بالقوة، رافضاً الانحناء رغم السجن والتعذيب، لأن معيار الحق عنده كان ثبات المبدأ.
كما جسّد العز بن عبد السلام نموذج العالم الذي باع الأمراء في سوق النخاسة حين رأى أنهم فقدوا شرعية الحكم العادل، في موقف يكشف أن العالم يمكن أن يكون قوة أخلاقية موازية للسيف.
هذه النماذج التاريخية تؤكد أن الخطاب الديني يفقد تأثيره حين يتخلى عن جرأة الانحياز للعدل، لأن الجماهير تدرك -ولو فطرياً- أن الحياد في لحظة الظلم هو شكل آخر من أشكال المشاركة فيه.
القواعد العسكرية الأجنبية في الدول العربية بين السيادة والشرعية
من أعقد الأسئلة التي يطرحها الواقع المعاصر: ما موقع القواعد العسكرية الأجنبية في الفقه السياسي الإسلامي؟ وهل وجودها يُعد مسألة سيادية داخلية أم امتداداً لصراع دولي مفتوح؟
الفقه السياسي الإسلامي بُني على مفهوم يمكن تسميته بـ "سيادة الجماعة على فضائها"؛ أي أن الأرض التي يعيش عليها المسلمون يجب أن تكون محكومة بإرادتهم وأمنهم الذاتي، وعندما يصبح القرار العسكري مرتبطاً بقوى خارجية، تتعرض هذه السيادة لما يمكن وصفه بـ "الاختراق الاستراتيجي المقنّن".
في سياق الحروب يطرح الفقهاء قاعدة مفادها أن الأهداف العسكرية المباشرة للمعتدي تصبح جزءً من ميدان الصراع المشروع، وهنا يبرز السؤال: هل تتحول القواعد الأجنبية إلى أهداف عسكرية مشروعة إذا كانت منطلقاً لعمليات قتالية؟ العديد من الاجتهادات التاريخية تشير إلى أن معيار المشروعية مرتبط بالفعل العسكري نفسه، لا بجغرافيا وجوده.
لقد ناقش علماء مثل ابن تيمية مسألة قتال القوى الغازية وتحالفاتها، معتبرين أن دفع خطرها لا يقتصر على أرض المعركة المباشرة، بل يشمل كل البنى التي تمكّنها من مواصلة العدوان.
أما على مستوى الواقع السياسي، فإن انتشار القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة خلق حالة من الاستقرار الهش؛ إذ تبدو الدول آمنة ظاهرياً لكنها مندمجة عملياً في صراعات لا تملك قرارها الكامل فيها، وهذا الوضع ينتج ما يمكن تسميته بـ "سيادة منقوصة تحت حماية مشروطة"، حيث يتحول الأمن إلى خدمة استراتيجية تُدار من خارج الحدود.
الإعلام وصناعة الفتوى العاجلة
لم يعد العالم المعاصر يصنع مواقفه في هدوء المكتبات ولا في بطء الدرس الفقهي التراكمي، إنّما تحت أضواء استوديوهات البث العاجل، حيث تتحول الفتوى إلى منتج إعلامي سريع الاستهلاك.
وفي هذه المساحة المتوترة بين الكاميرا والضمير، يتشكل فقه اللقطة الواحدة؛ وهو فقه يُختزل في جملة صادمة أو تصريح مقتطع، يُعاد تدويره آلاف المرات حتى يتحول إلى حقيقة شعبية.
تلعب الفضائيات ومنصات التواصل دوراً مركزياً في توجيه بوصلة المواقف الدينية، ليس فقط عبر اختيار الضيوف، ولكن أيضاً عبر صياغة الأسئلة نفسها، وترتيب المشهد بحيث يبدو أن ثمة إجماعاً أخلاقياً على إدانة ردود الفعل الدفاعية.
وهكذا يصبح العالم محاصراً بثلاث دوائر ضغط متزامنة:
• ضغط اللحظة الإعلامية التي لا تحتمل التريث.
• ضغط السلطة السياسية التي تخشى تداعيات الخطاب المقاوم.
• ضغط الرأي العام المنقسم بين الغضب والخوف.
في هذا المناخ، تنشأ الفتوى اللحظية؛ وهي فتوى لا تستند إلى بناء فقهي راسخ، بقدر ما تستند إلى تقدير إعلامي سريع لمزاج المرحلة، وخطورتها تكمن في قدرتها على إعادة تشكيل الوعي قبل أن يُتاح للنقاش العلمي أن يأخذ مداه، وهنا يتحول العالم -دون أن يشعر- من منتج للمعنى إلى مُدير للأزمة الخطابية، يحاول تهدئة العاصفة بدل أن يسأل: من صنعها؟ ولماذا؟
تداعيات الخطاب الديني المرتبك على وعي الشعوب
حين تتكرر المواقف المترددة أو المتناقضة من قبل بعض المرجعيات الدينية، تتشكل ببطء فجوة ثقة خطيرة بين الجمهور والمؤسسة العلمية، هذه الفجوة تتراكم عبر سنوات من الإحساس بأن الخطاب الديني لم يعد قادراً على التعبير عن الألم الحقيقي للناس.
في ظل هذا الفراغ يصعد الخطاب الاحتجاجي الموازي؛ خطاب أكثر حدّة، أقل التزاماً بالضبط الفقهي، لكنه أكثر قدرة على مخاطبة العاطفة، ومع مرور الوقت، يتحول هذا الخطاب من هامش إلى مركز، لأن الجماهير تبحث عن لغة تعكس غضبها قبل أن تبحث عن دقة المصطلح.
النتيجة الأعمق لهذا التحول هي إعادة تعريف مفهوم المقاومة والشرعية، فبدل أن تستمد المقاومة شرعيتها من النصوص المقاصدية ومن إجماع الأمة الأخلاقي، تصبح شرعيتها قائمة على الوجدان الشعبي وحده، وهو ما يفتح الباب أمام فوضى تأويلية قد تضر بالقضية نفسها.
وهكذا يجد العالم نفسه أمام معادلة قاسية، إما أن يستعيد ثقة الناس عبر وضوح الموقف وانحياز العدالة، أو أن يترك الساحة لخطابات متطرفة تملأ الفراغ، فيتحول الارتباك الفقهي إلى أزمة حضارية في تعريف الحق والباطل.
نحو استعادة بوصلة الفقه في زمن الهيمنة
إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم تفوق العدو في إدارة المعنى، فالقوة الصلبة قد تُواجه بالصمود، لكن القوة الناعمة التي تعيد صياغة المفاهيم تحتاج إلى فقه جديد؛ فقه يمكن تسميته بـ "الفقه المقاصدي التحريري"، وهذا الفقه يعني العودة إلى النص في سياقه الكلي؛ حيث تتقدم مقاصد حفظ الكرامة والحرية والعدل على حسابات التهدئة المؤقتة، إن وظيفة العالم في هذه المرحلة لم تعد تقتصر على تفسير الأحكام، إنّما تشمل حماية الوعي من الاستلاب، لأن المعركة باتت تدور على جبهة الإدراك بقدر ما تدور على جبهة الميدان.
استعادة بوصلة الفقه تتطلب شروطاً أخلاقية وفكرية صعبة، منها:
• الاستقلال عن مراكز النفوذ السياسي والإعلامي.
• القدرة على التمييز بين الحكمة والخوف، وبين المصلحة والذريعة.
• الجرأة على تسمية العدوان باسمه، مهما كان موقع المعتدي في ميزان القوة.
وفي عالم تتشابك فيه الصراعات الدولية، يصبح الموقف الأخلاقي المتوازن هو ذاك الذي يرفض العدوان من حيث المبدأ، لكنه لا يجرّم الدفاع المشروع ولا يساوي بين الضحية والجلاد.
إن الأمة لا تحتاج إلى عمائم تبرر الواقع، بقدر ما تحتاج إلى عقول فقهية قادرة على إعادة إنتاج المعنى المقاوم دون الوقوع في فوضى الغضب أو استسلام البراغماتية، ففي زمن الهيمنة، لا يكفي أن يكون العالم حافظًا للنصوص؛ تحتاج عالماً يكون حارساً للعدالة، حتى لو وقف وحده في مواجهة العاصفة.
لقد كشفت هذه المرحلة أن بعض العمائم لم تعد تُفصَّل على مقاس النص والمقاصد، أصبحت تُفصّل على مقاس موازين القوة الدولية؛ عمائم تُجيد قراءة بيانات العواصم أكثر مما تُجيد قراءة آيات ردّ الظلم، وهنا يتحول العالم -من حيث لا يدري- إلى شريك رمزي في إعادة إنتاج الهيمنة، حين يمنح الصمت شرعية، ويمنح الإدانة الانتقائية صفة الورع.
وحين تُدان محاولة استعادة التوازن بالقوة، بينما يُسوَّغ اختلاله باسم الواقعية السياسية، فإننا نكون أمام انقلاب صامت في مفاهيم الفقه والأخلاق؛ انقلاب يُبدّل الأولويات حتى يصبح الأمن أهم من الحرية، والاستقرار أهم من الكرامة.
من هنا، يعود السؤال: من صاغ الرواية التي جعلت الصاروخ دفاعاً هنا وجريمة هناك؟ ومن قرر أن الضحية مطالبة دائماً بضبط النفس، بينما يُمنح المعتدي حقّ المبادرة باسم الردع؟
إن عنوان هذه المرحلة يمكن اختزاله في صورة واحدة: "عمائم على مقاس الصواريخ الصهيوأمريكية"، عمائم تتكيّف مع اتجاه الانفجار لا مع اتجاه الحق، وتبحث عن مساحة آمنة في ظل القوة بدل أن تصنع مساحة أخلاقية في وجهها.
لكن التاريخ -كما علّمنا- لا يحتفظ طويلاً بالمواقف الرمادية، فإما أن تستعيد العمامة دورها بوصفها حصناً للوعي ودرعاً للعدالة، أو تتحول إلى مجرد شاهد على زمن أُعيد فيه تعريف الشجاعة بأنها تهور، وإعادة تعريف الخضوع بأنه حكمة.
وفي نهاية المطاف، قد تنتهي الحروب، وقد تُوقَّع الاتفاقيات، وقد تتبدل التحالفات؛ لكن الكلمات التي قيلت في لحظة الدم ستبقى، ستبقى لتسأل أصحابها: هل كنتم حراس المعنى، أم كنتم جزءً من الضجيج الذي مهد للطوفان؟

