مع اندلاع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أول من أمس، بدت المولات والأسواق في قطاع غزة أشبه بخلية نحل مضطربة. عربات التسوق تمتلئ بسرعة، وسط تتصاعد همسات القلق بين المتسوقين.
لم يكن المشهد اعتيادياً؛ فالكثيرون يشترون كميات تفوق حاجتهم بكثير، الأمر الذي استدعى من جهات الاختصاص وخاصة وزارة الاقتصاد بغزة لطمأنة المواطنين وحثهم على عدم شراء ما يفوق حاجتهم، خاصة وأن غزة بعيدة عن مسرح التصعيد العسكري الحاصل في المنطقة.
في خضم هذا الازدحام، كان رامي عبود، رب أسرة مكونة من سبعة أفراد، يدفع عربة مثقلة بأكياس الطحين والأرز وعبوات الزيت والمعلبات.

يقول لصحيفة "فلسطين" إنه لم ينتظر طويلاً بعد سماعه أخبار اندلاع العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران. "أول ما سمعت الخبر، لم أفكر كثيراً… ذهبت مباشرة إلى السوق"، يقول عبود وهو يرتب الفواتير في جيبه. "اشتريت مواد غذائية بقيمة أربعة آلاف شيكل. أعرف أن المبلغ كبير، لكن الخوف كان أكبر".
عبود لا يتحدث عن قلق عابر، بل عن ذاكرة ثقيلة. يؤكد أنه عاش المجاعة ثلاث مرات خلال الحرب، حين أُغلقت المعابر ونفدت السلع الأساسية، واضطر للوقوف ساعات طويلة بحثاً عن ربطة خبز "رأيت أطفالي ينامون من دون عشاء. رأيت الطوابير تمتد لأمتار أمام المخابز. لا أريد أن أعيش ذلك مرة أخرى".
يضيف: "ربما يقول البعض إنني أبالغ، لكن من لم يجرب الجوع لا يفهم هذا الشعور. حين تسمع كلمة حرب، أول ما يخطر في بالك هنا هو الطعام… هل سيتوفر أم لا؟".
ومع أن الأسواق ما زالت تعمل والمعابر لم تُغلق رسمياً، فإن الخوف سبق الوقائع. وبين عربات ممتلئة ورفوف فارغة، يتكرر المشهد ذاته: قلق جماعي يدفع الناس إلى تخزين الغذاء، خشية أن يعود شبح المجاعة مرة أخرى إلى بيوت أنهكتها الحرب.
الاحتياط واجب
داخل أحد المولات الكبرى في مدينة غزة، كانت فاطمة مهدي تدفع عربة تسوق ممتلئة بأكياس الدقيق والسكر وعلب الحليب والبقوليات المعلبة.

بدت الكميات التي تشتريها أكبر من احتياجات أسرة صغيرة، ما دفع بعض المتسوقين للنظر باستغراب، لكنها لم تكترث وهي تواصل ترتيب مشترياتها بعناية. تقول مهدي وهي أم لخمسة أطفال لـ"فلسطين"، إنها لم تأتِ للتبضع العادي، بل "للاحتياط لما قد يحدث".
وتضيف: "عندما سمعت عن العدوان على إيران شعرت أن الأمور قد تتدهور بسرعة، ونحن أول من يدفع الثمن هنا". توضح أن تجربتها خلال الحرب جعلتها تفكر بطريقة مختلفة في الغذاء والتخزين: "في المرات السابقة، اختفت المواد الأساسية خلال أيام. بحثنا عن الدقيق فلم نجده، وارتفع سعر الزيت بشكل جنوني. تعلمت الدرس: إذا توفر الطعام اليوم، يجب أن أؤمّن أطفالي للغد".
وعن سبب شرائها كميات كبيرة، تجيب: "أنا لا أشتري للتخزين الطويل أو للتجارة، بل لأشعر بالأمان. عندما يكون لدي طحين وسكر وزيت في البيت، أشعر أنني أستطيع حماية أطفالي من الجوع، حتى لو حدث الأسوأ".
وترى مهدي أن الخوف لا يتعلق بالحرب البعيدة جغرافياً بقدر ما يتعلق بتداعياتها المحتملة على القطاع: "نحن لا نخاف من الحرب نفسها، بل من نتائجها: إغلاق المعابر، توقف الإمدادات، وعودة الطوابير الطويلة أمام المخابز. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يرعب الأمهات".

تتوقف قليلاً قبل أن تضيف: "الأم لا تفكر في السياسة… تفكر فقط: هل سيجد أطفالي ما يأكلونه غداً؟". وفي وقت يغادر فيه المتسوقون محمّلين بأكياس ثقيلة، يبقى القلق سيد الموقف، وتتحول عربات التسوق الممتلئة إلى انعكاس مباشر لمخاوف تتجاوز حدود السوق إلى ذاكرة جماعية لا تزال مثقلة بتجارب الجوع والحصار.
ذاكرة التجويع
يقول أستاذ علم النفس الاجتماعي درداح الشاعر لـ"فلسطين": إن موجات القلق الجماعي التي تظهر في أوقات الحروب والتوترات الإقليمية تعد رد فعل نفسيا طبيعيا لدى المجتمعات التي عانت سابقا من الصدمات والحصار، موضحا أن سكان قطاع غزة يحملون ذاكرة جماعية مثقلة بتجارب الجوع والحصار، ما يجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة محفزا فوريا للخوف من تكرار الكارثة.
وأوضح أن سلوك التهافت على شراء السلع وتخزينها يمثل محاولة نفسية لاستعادة الشعور بالسيطرة في ظل واقع غير مستقر، قائلا: "عندما يشعر الإنسان بأن مستقبله مهدد، يلجأ إلى تخزين الغذاء باعتباره وسيلة رمزية لحماية أسرته. هذا السلوك لا يعكس أنانية بقدر ما يعكس خوفا عميقا متراكما".

وحذر الشاعر من أن الذعر الجماعي قد يتحول إلى أزمة اجتماعية حقيقية إذا لم يُحتوَ بسرعة، مضيفا: "الشراء المفرط يخلق نقصا مصطنعا في السوق، ما يزيد التوتر ويغذي الشائعات، فتدخل المجتمعات في حلقة خوف متبادلة يصعب كسرها". ودعا إلى تعزيز الهدوء والتضامن المجتمعي في هذه المرحلة الحساسة، مؤكدا "المجتمع الغزي نجا مرارا بفضل التكافل الاجتماعي. التضامن وتقاسم الموارد وطمأنة بعضنا البعض هي أدوات حماية نفسية واجتماعية لا تقل أهمية عن توفر الغذاء نفسه".
كما شدد على دور الإعلام والنخب المجتمعية في تهدئة المخاوف، قائلا: "نشر المعلومات الدقيقة، وتجنب التهويل، وتقديم رسائل طمأنة مسؤولة يساعد على خفض مستويات القلق الجماعي ومنع تفاقم الذعر".
السلطات تحكم الموقف
من ناحيته، أكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة لـ"فلسطين" أن حالة القلق التي دفعت المواطنين إلى التهافت على شراء المواد الغذائية "لا تستند إلى معطيات واقعية"، مشدداً على أن إغلاق المعابر الذي جرى مؤخرا هو إجراء مؤقت مرتبط بالعطل والأعياد لدى الجانب الإسرائيلي، وليس قراراً سياسياً بتقييد دخول السلع.
وقال الثوابتة إن الإمدادات الغذائية ما زالت متدفقة، مضيفاً: "نطمئن المواطنين بأن مخازن قطاع غزة تحتوي على كميات جيدة من السلع الأساسية تكفي لعدة أشهر، بما يشمل الدقيق والأرز والزيوت والبقوليات، ولا يوجد أي مؤشر على نقص وشيك في المواد التموينية".

مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة
وأوضح أن السلطات المحلية تتابع الأسواق بشكل يومي لمنع استغلال حالة القلق الشعبي، مؤكداً: "ننفذ جولات تفتيش ميدانية مستمرة لضبط الأسعار، وقد أصدرنا تعليمات واضحة بعدم التلاعب بقوت المواطنين. سيتم إغلاق أي محل تجاري يثبت تورطه في رفع الأسعار أو احتكار السلع، واتخاذ إجراءات قانونية رادعة بحقه".
ودعا المواطنين إلى الشراء وفق الاحتياجات الطبيعية وتجنب التخزين المفرط، قائلاً: "الاكتناز يخلق أزمة مصطنعة ويضغط على السوق ويضر بالفئات الأكثر فقراً. مسؤوليتنا الجماعية اليوم هي الحفاظ على الاستقرار المجتمعي ومنع انتشار الشائعات".
وختم بالقول: "الوضع التمويني مستقر، والمعابر ستعود للعمل بشكل طبيعي بعد انتهاء العطلة، ونؤكد أن الأمن الغذائي في القطاع تحت السيطرة".

