فلسطين أون لاين

تحليل 20 ألف جندي دولي في غزة... قوة استقرار أم أداة ضغط؟ خبير عسكري يوضح

...
الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز
غزة/ علي البطة:

في لحظة لافتة، ظهر الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز الخميس الفائت في ما يسمى (مجلس السلام) بواشنطن مرتديًا بزته العسكرية، معلنا خطة نشر "قوة الاستقرار الدولية" في قطاع غزة. يثير هذا الظهور تساؤلات حول أهداف القوة الحقيقية، وما إذا كانت مجرد مراقبة أم أداة ضغط على الفلسطينيين، خصوصا في ظل حساسيات المشهد الأمني والسياسي في القطاع.

وأوضح جيفرز أن القوة ستنتشر في خمس محافظات، موزعة على لواء لكل قطاع: رفح مع إندونيسيا، خان يونس مع المغرب، الوسطى مع ألبانيا، غزة مع كازاخستان، والشمال مع كوسوفو.

ويرى الخبير في الشؤون العسكرية علي ناصر أن هذا التوزيع يوضح حجم المهمة وطبيعتها العملية على الأرض، ويضع المشهد تحت مراقبة دقيقة من جميع الأطراف المحلية والدولية.

طالع المزيد: ​إندونيسيا تجهِّز ألف جندي للنشر المحتمل في غزة مطلع أبريل

وفي قراءاته لحجم القوة، يقول ناصر لصحيفة "فلسطين"، إن قوام القوة البالغ عشرين ألف جندي يعكس نية فرض سيطرة شاملة على الأرض، وليس مجرد وجود مراقب.

ويضيف أن العدد الكبير والتوزيع المكثف قد يكون مقدمة لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي، مع التركيز على التحكم بسلوك الفصائل الفلسطينية وتحديد حدود نشاطها.

ويشدد الخبير العسكري، على أن غياب آليات واضحة لمساءلة "إسرائيل" مقابل الالتزامات المفروضة على الفلسطينيين قد يجعل القوة أداة ضغط سياسية وأمنية على الفلسطينيين، بدلًا من دعم الاستقرار المدني، ما قد يحد من قدرة الفلسطينيين على اتخاذ قراراتهم بحرية.

ويؤكد ناصر أن اشتراط نزع سلاح فصائل المقاومة مقابل إعادة الإعمار يمثل نقطة حرجة، إذ قد يحول القوة الدولية من مهمة مراقبة إلى طرف مباشر في الصراع، ما يزيد احتمال مواجهة أو تصعيد في القطاع.

طالع المزيد: ماذا يعني مشروع "القرار الأمريكي" بشأن القوات الدّوليَّة في غزَّة؟ مُحلِّل سياسي يُجيب
 

تأثير الانتشار على حرية الحركة

ويشير إلى أن تقسيم القطاع إلى خمسة لواءات عملياتية يتيح للقوة فرض وجود دائم ويقلل قدرة الفصائل على التحرك بحرية، ما يثير الشكوك حول هدف السيطرة أكثر من الاستقرار المدني.

ويرى ناصر أن تجربة اليونيفيل في لبنان وبعثة MINUSTAH في هايتي تثبت أن القوة الدولية غالبًا ما تحقق استقرارًا مؤقتًا دون معالجة جذور الأزمة، وهو ما يثير القلق في غزة من تكرار التجربة.

ويضيف أن اتفاقيات أوسلو أعادت إنتاج واقع جزئي للسيطرة الإسرائيلية، وربما تعيد القوة الدولية في غزة نموذجًا مماثلًا تحت غطاء مؤسسي دولي، مما يقلل من استقلالية القرار الفلسطيني ويضع قيودًا على ممارسة السيادة.

ويشدد على أن ظهور جيفرز بالبزة العسكرية في ما يسمى (مجلس السلام) يعكس رسالة مزدوجة: الجدية في تنفيذ المهام الأمنية، وتحذيرًا ضمنيًّا للفصائل الفلسطينية. ويؤكد أن هذه الرمزية قد تستخدم للضغط السياسي والأمني أكثر من كونها دعمًا للاستقرار المدني.

جاسبر-جيفرز-صورة-أرشيفية.png.webp


 

ويشير الخبير إلى أن مشاركة خمس دول تمنح القوة غطاء دوليًّا، لكنها لا تضمن حيادها الكامل، خصوصًا إذا طُلب منها المشاركة في مهام نزع السلاح أو فرض ترتيبات سياسية على الأرض.

هشاشة الاستقرار المحتمل

وفق ناصر، انتشار القوات المكثف لا يضمن استقرارًا دائمًا ما لم تعالج جذور الأزمة، بما فيها الاحتلال ونزع سلاح الفصائل، وإلا ستبقى المهمة إدارة للأزمات وليست حلًا دائمًا.

ويوضح أن تمكين الحكم المدني مرتبط بالسيطرة الأمنية الميدانية، ما قد يقيد استقلالية القرار الفلسطيني ويجعل أي تغيير في السياسات المحلية رهينًا بموافقة القوة الدولية. مشيرًا إلى موقف الفصائل، وفي مقدمتها حركة حماس، التي أبدت استعدادها للتعاون مع القوة، لكنها حذرت من أي محاولة لنزع أدوات القوة الفلسطينية، وهو تعبير عن توجس من أن تتحول القوة لأداة ضغط على المقاومة.

ويشدد ناصر على أن أي انزلاق للقوة نحو دور تنفيذي مباشر في نزع السلاح قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة، ويزيد احتمالات تصعيد داخلي يهدد الاستقرار المؤقت في غزة. موضحًا أن القوة قد تتحول إلى أداة ضغط سياسية وأمنية إذا ارتبطت بمشاريع إعادة الإعمار، ما يحد من خيارات الفلسطينيين ويعيد إنتاج قيود مماثلة لتجارب سابقة، ما يثير مخاوف جدية حول الدور المستقبلي للقوة.

حدود التفويض والتنسيق المحلي

يشير ناصر إلى أن انتشار القوات في كل القطاع سيؤثر على الحركة اليومية للسكان، وقد يستغل لتقييد النشاط السياسي والعسكري الفلسطيني وفرض مراقبة مستمرة على المواطنين.

ويشدد على أن تفويض القوة لم يحدد بشكل واضح، خصوصًا فيما يتعلق بمواجهة أي تصعيد من الاحتلال الإسرائيلي، ما يترك مساحة واسعة لتأويل مهامها وتحويلها إلى أداة تنفيذية.

ويتوقع أن يبقى تنسيق القوة الدولية مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة شكليًّا، ولا يضمن استقلالية القرار الفلسطيني أمام القوة الدولية، ما يعزز المخاوف من فرض سياسات خارجية على الأرض.

ويشير ناصر إلى أن تجارب القوات الدولية السابقة تؤكد أن أي قوة ترسل إلى مناطق النزاع لا تنجح إلا إذا كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الصراع، وهو ما يبدو غائبًا في الحالة الفلسطينية، ما يجعل الحذر واجبًا.

ويحذر ناصر من أن توفر القوة الدولية غطاء سياسيًّا لمهام قد تكون أحادية الجانب، خصوصًا إذا ربطت بملف إعادة الإعمار وفرض شروط على المقاومة، ما يضع الفلسطينيين في موقف ضعف أمام القرارات الدولية.

ويخلص ناصر إلى أن ظهور جيفرز بالبزة العسكرية لم يكن مجرد مشهد رمزي، بل إشارة إلى مرحلة جديدة قد تحمل مخاطر للفلسطينيين أكثر من فرص الاستقرار في غزة التي تعرضت لحرب إبادة غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني الحديث.

المصدر / فلسطين أون لاين