أكد المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن تدشين عملة رقمية لقطاع غزة ليست خطوة تقنية محايدة، بل هي مشروع اقتصادي سياسي يعيد تعريف شكل السيطرة على المجال المالي في القطاع.
وأوضح أبو قمر، في تحليل له، يوم الثلاثاء، أن الخطوة تُطرح ضمن سياق ترتيبات ما بعد الحرب تقوم على إعادة تشكيل غزة كحيّز منزوع السيادة النقدية. وذلك عبر تقليص استخدام النقد الورقي والدفع نحو نموذج "اقتصاد رقمي" تتحكم ببنيته التحتية أطراف خارجية تخدم الرؤية الإسرائيلية.
طالع المزيد: "مجلس السلام" يبحث إطلاق عملة مشفرة في غزة... ومرصد حقوقي يحذر !
وأشار إلى، أن "إسرائيل" طرحت عدة أفكار خلال فترة حرب الإبادة على غزة للتحكم المالي المطلق في غزة، كخطة وزير خارجية الاحتلال، بإلغاء النقد في غزة، ومحاولات مستمرة حتى الآن لمنع إدخال الكاش وفقدان الثقة بالعملات الورقية، مع تغييب واضح للدور الفعلي لسلطة النقد والبنوك.
وأضاف، أن تدشين عملة رقمية يعني نقل النشاط المالي من مساحة الحق بامتلاك المال والتصرف به بحرية إلى مساحة التحكم التشغيلي والأمني، حيث تصبح كل معاملة قابلة للرصد والتتبع والبرمجة، موضحًا أن العملة الرقمية إذا لم تخضع لسيادة فلسطينية كاملة على البيانات والخوادم وأنظمة الدفع يمكن أن تتحول من أداة تسهيل إلى أداة ضبط جماعي.
وحذر المحلل الاقتصادي، أن الخطر لا يكمن فقط في القدرة على "منع المال"، بل في قابلية تجميد المحافظ الرقمية أو تقييدها بقرار إداري واحد أو وسم أفراد بتصنيفات أمنية تؤدي إلى تعطيل وصولهم لأموالهم، عندها يصبح كل شيء رهن إشارة رقمية قابلة للتعليق.
والأبعد من ذلك، قال أبو قمر إن الاقتصاد نفسه قد يُعاد تشكيله كشبكة شروط، بحيث تُربط الخدمات الأساسية والمساعدات والرواتب بدرجات الامتثال السياسي أو الأمني"، مشيرًا إلى أن ذلك يحول التكنولوجيا المالية من وسيلة تحديث إلى بنية تصنيف، تزيد من حالة التبعية الاقتصادية وتؤسس لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة على السكان.
ويوم أمس، كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن مسؤولين يعملون في مجلس السلام في غزة الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يبحثون إمكانية إطلاق عملة مشفرة مستقرة (Stablecoin) في القطاع، مرتبطة بالدولار الأميركي في غزة.
ويقود المقترح، بحسب الصحيفة، رجل الأعمال الإسرائيلي والضابط السابق في أكبر وحدات الاستخبارات الإسرائيلية (وحدة 8200)، ليران تانكمان، ويعتبر المخطط خطوة جديدة في مسار هندسة السيطرة على سكان غزة وتعميق التبعية الاقتصادية لـ"إسرائيل".
وأوضحت الصحيفة نقلًا عن خمسة مصادر، أن المحادثات بشأن العملة المشفرة ما تزال في مرحلة أولية، مشيرة إلى أن المسؤولين في مجلس السلام ناقشوا فكرة العملة المشفرة المستقرة، نظرا لأن النظام المصرفي التقليدي وأنظمة المدفوعات المعتادة في قطاع غزة تضررت بشدة نتيجة الحرب.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أنه من المنتظر أن يتم ربط العملة المستقرة في غزة بالدولار، وأن تقوم شركات فلسطينية وخليجية لها خبرة في مجال العملات الرقمية بدعم مشروع العملة المشفرة.
ويقصد بالعملات المشفرة المستقرة نوع من العملات الرقمية المرتبطة قيمتها بعملة ورقية عالمية مثل الدولار.
طالع المزيد: الأورومتوسطي: مخطط لفرض "المحافظ الرقمية" وسحب السيولة من غزة
من جهته، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن مخططات إسرائيلية أميركية تسعى إلى إعادة تشكيل قطاع غزة كحيّز منزوع السيادة المالية، عبر تجريده من العملة النقدية وفرض انتقال قسري إلى نموذج "اقتصاد رقمي" تُمسك مفاتيحه جهات خارجية متحالفة مع "إسرائيل"، بما يحوّل الوصول إلى المال والمعاملات الأساسية من حق أصيل إلى امتياز قابل للسحب، ويجعل الغذاء والدواء والسكن رهائن لقرارات أمنية وتقديرات عسكرية، في إطار هندسة قسرية لإعادة تشكيل الحياة اليومية ودفع السكان نحو مسارات إفقار وتهجير تُدار عبر التكنولوجيا.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أن تقديم "المحافظ الرقمية" كحل تقني لإعادة الإعمار ليس سوى غطاء لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة على السكان وتعميق التبعية الاقتصادية لـ"إسرائيل"، إذ تقوم على تحويل التكنولوجيا المالية إلى أداة ضبط جماعي قابلة للبرمجة، تسمح بالمراقبة الفورية والتقييد التعسفي والتجميد الانتقائي للأموال، في سياق حصار واحتلال قائمين، ومن دون سيادة فلسطينية على البيانات أو الأنظمة المالية أو شروط التشغيل والاعتراض.

