﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾
الأحزاب: 53
غزة ليست مجرد جغرافيا على خارطة العالم؛ إنها روحٌ متقدة ونبضٌ ثائر لا يخبو. تاريخها نُسِج بخيوط الدم الطاهر وأحلام الأحرار، حيث تتشكل ملاحم البطولة في وجه عدوٍّ يحاول طمس الذاكرة وزراعة الموت في الأرض. لكنها تبقى شامخة كجبلٍ لا ينحني، رمزًا للكرامة والثبات؛ من عسقلان إلى بيت المقدس، ومن شيخٍ قعيد إلى شهيدٍ كتب بدمه سطور المجد. إنها مدرسة المقاومة التي تخرّج رجالًا لا يعرفون الاستسلام، لأن في وجدانها وعد الله الذي لا يخلف؛ نصرٌ يولد من رحم الألم، وفجرٌ يتشكل في ظلام المحرقة، وفتحٌ قريب يحرر الأرض ويشعل شعلة الحرية التي لا تنطفئ. فغزة ملحمةٌ حية تذكّر العالم بأن عزتنا في ثباتنا، وأن النصر يبدأ من إيمانٍ لا يتزعزع مهما اشتدت الأهوال.
في علوم التنمية البشرية تُعدّ القدرة على قول “لا” مهارةً أساسية في إدارة العلاقات والمهام، حتى صار كتاب “تعلم كيف تقول لا” من أكثر الكتب مبيعًا في العالم. فأن تقول “لا” بأدب دون أن تخسر العلاقة فنٌّ دقيق، يوازن بين مجاملٍ يفرّط في واجباته، وغليظٍ يخسر الناس بفظاظته. وكثيرًا ما يقع الحيي في ضيق هذا الامتحان؛ فلا يملك أن يرفض طلبًا، خشية جرح الخاطر، كما كان النبي ﷺ يتحرج أحيانًا من ردّ الناس حياءً، حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّبِيَّ يَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
غير أن لهذا الامتحان وجهًا أشد قسوة في غزة، خاصة في ليالي المحرقة القاسية في شمالها. هناك يصبح قول “لا” جرحًا في القلب قبل أن يكون كلمة على اللسان. يأتيك ضيفٌ أو قريب أو جار أو محتاج يسأل مأوى أو لقمة أو جرعة ماء، وأنت بالكاد تملك ما يسند روحك، بينما الموت يحوم فوق الرؤوس، وغزة كلها تقف على حافة المقصلة. القصف لا يتوقف، والمئات يُقتلون بذريعة “هدف” تلاحقه خوارزميات الذكاء الاصطناعي، هدفٍ يتبين بعد المجزرة أنه لم يكن سوى سراب. كم مرة أوقعت عصابات الإبادة أكثر من خمسمئة شهيد بضربة واحدة! عندها لا يبقى في القلب إلا أن يلهج: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
في يوميات الغزي في محرقة القرن، يُطلب منك أن تضمّ وتطعم وتسقي وتواسي، وربما كنت أنت الأحوج لكل ذلك. تحتضن الآخرين بينما الجوع ينهش صدرك، وتخفف عنهم وأنت تحمل في داخلك جبلًا من الألم. وهناك، عند الحدّ الفاصل بين القدرة والعجز، يصبح الاعتذار نفسه معركة أخلاقية؛ كلمة “آسف” تقال بمرارة، لكنها تظل حقًا مشروعًا حين يبلغ العجز مداه. فالله الذي يعلم السرائر يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.

