فلسطين أون لاين

📌#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾       الرعد: 17

الأونروا: ماكثة في الأرض رغم عواصف التصفية

في زمنٍ تتساقط فيه الجدران فوق أصحابها، وتُمحى الأحياء من الخرائط، وتُدفن العائلات تحت أنقاض منازلها في غزة، يبقى اسم "الأونروا" حاضرًا بين الركام كأثرٍ عصيّ على المحو، وكوثيقةٍ حيّة ترفض أن تُطوى. ليست مجرد لافتة على مدرسة مدمرة أو مركز صحي مستهدف، بل شاهدٌ أممي على جريمة لم تنتهِ، وذاكرةٌ جماعية تختزن حكاية شعب اقتُلع من أرضه وما زال يقاوم النسيان.

منذ أن وُلدت الأونروا من رحم النكبة عام 1949، لم تكن مجرد وكالة لتوزيع الغذاء والدواء أو إدارة المدارس والعيادات، بل تحولت، بمرور الزمن، إلى عنوان سياسي وأخلاقي وقانوني لقضية اللاجئين الفلسطينيين. فوجودها المستمر هو اعتراف دولي متجدد بأن هناك شعبًا هُجّر من وطنه، وأن هناك حقًا لم يُنجز بعد، وأن النكبة ليست فصلًا من الماضي، بل واقعًا ممتدًا تتوارثه الأجيال.

لهذا السبب تحديدًا، لم تكن الأونروا يومًا هدفًا بسبب خدماتها، بل بسبب ما تمثله. فالمعركة عليها ليست معركة موازنات مالية أو خلافات إدارية، وإنما معركة على الذاكرة والرواية والحق. إنها معركة بين من يريد للاجئ الفلسطيني أن يبقى صاحب قضية وحق تاريخي، ومن يريد تحويله إلى مجرد حالة إنسانية تتلقى المساعدات ثم تُنسى.

في غزة، حيث يشكل اللاجئون غالبية السكان، لم تكن الأونروا مؤسسة عابرة. كانت مدرسة تحفظ الحلم، وعيادة تصون الكرامة، ومركزًا للإغاثة يمد الحياة وسط الحصار والحروب. ومع كل عدوان كانت منشآتها تتحول إلى ملاجئ للنازحين، ومع كل أزمة كانت تقف في الصفوف الأولى، شاهدةً على الألم وشريكةً في الصمود. ولهذا لم يكن استهدافها خلال الحرب الأخيرة حدثًا عرضيًا أو خطأً عسكريًا عابرًا، بل بدا جزءًا من محاولة أوسع تستهدف الشاهد نفسه، بعدما عجزوا عن إسكات شهادته.

لقد تعرضت منشآت الوكالة للقصف والتدمير، وسقط عشرات ومئات من موظفيها بين شهيد وجريح، في مشهد غير مسبوق في تاريخ الأمم المتحدة. وكأن الرسالة كانت واضحة: ليس المطلوب تدمير المباني فقط، بل إضعاف المؤسسة التي ما زالت تذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يعد إلى وطنه، وأن قضية اللاجئين لم تُغلق بعد.

وفي موازاة القصف بالنار، جاء القصف بالسياسة. حملات تحريض متواصلة، واتهامات ممنهجة، وضغوط مالية متصاعدة، ومحاولات لتجفيف منابع التمويل، حتى أصبحت الوكالة تخوض معركة بقاء يومية. ولم تعد الأزمة مجرد عجز مالي، بل تحولت إلى مشروع متكامل لتقويض التفويض الأممي الذي قامت عليه الوكالة، وإعادة تعريف دورها بما يفرغها من مضمونها السياسي والحقوقي.

إن استهداف الأونروا في جوهره ليس استهدافًا لمؤسسة إغاثية، بل استهداف لفكرة أن هناك لاجئين لهم حق، وأن هناك قرارًا أمميًا ما زال قائمًا، وأن الذاكرة الفلسطينية ما تزال حية. ولهذا تتكرر المحاولات لإحلال مؤسسات بديلة، أو نقل خدماتها إلى جهات أخرى، أو اختزال القضية كلها في ملف إنساني منفصل عن جذوره الوطنية والتاريخية.

لكن ما لا يدركه مهندسو هذه المشاريع أن الأونروا ليست مجرد مبانٍ أو موازنات أو برامج تشغيل. إنها جزء من الوعي الفلسطيني ذاته. إنها سجل النكبة المفتوح، والأرشيف الذي يحتفظ بأسماء القرى والمدن المهجرة، والمرآة التي تعكس للعالم حقيقة أن العدالة ما تزال مؤجلة منذ أكثر من سبعة عقود.

ولذلك فإن المعركة الدائرة اليوم حول الأونروا هي في حقيقتها معركة على المعنى؛ على تعريف اللاجئ الفلسطيني، وعلى طبيعة قضيته، وعلى مستقبل حق العودة. فحين تُستهدف الوكالة، لا يُستهدف موظفوها فقط، بل تُستهدف الرواية الفلسطينية ذاتها، ويُستهدف الاعتراف الدولي المستمر بجوهر القضية.

ومن هنا، فإن الدفاع عن الأونروا ليس دفاعًا عن مؤسسة بيروقراطية، بل دفاع عن أحد آخر الشهود الكبار على النكبة. إنه دفاع عن ذاكرة شعب، وعن حق لم يسقط بالتقادم، وعن حقيقة يحاول البعض دفنها تحت ركام السياسة كما دُفنت البيوت تحت ركام الحرب.

في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة، تقف الأونروا بين منزلتين: شاهدٌ على الجريمة المستمرة، وشهيدٌ يُراد اغتياله سياسيًا وقانونيًا وماليًا. غير أن الشهود الحقيقيين لا يموتون حين تُهدم مقارهم أو تُقطع موازناتهم؛ بل يبقون أحياء ما بقيت الرواية التي يحملونها، وما بقي شعب يؤمن بحقه ويتمسك بذاكرته.

ولهذا، فإن حماية الأونروا ليست دفاعًا عن الماضي فحسب، بل حماية للمستقبل أيضًا؛ مستقبل القضية الفلسطينية، ومستقبل حق العودة، ومستقبل العدالة التي ما تزال تنتظر أن تنتصر. فإما أن يبقى هذا الشاهد واقفًا في وجه محاولات المحو والتصفية، وإما أن يُفتح الباب أمام أخطر حلقات شطب القضية الفلسطينية من الوعي الدولي. وبين هذين الخيارين، تتحدد اليوم معالم معركة الوجود والذاكرة والحق.