📌#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]
الصبر... الطريق الذي يصنع النصر
في عالمٍ يقيس الناس فيه النجاح بسرعة الإنجاز، والقوة بحجم الترسانة العسكرية، والانتصار بنتائج اللحظة، يأتي القرآن ليقلب هذه الموازين رأسًا على عقب، ويكشف أن التحولات الكبرى في التاريخ لم تولد من وفرة الإمكانات، وإنما من رجالٍ ونساءٍ عرفوا كيف يصبرون حتى تنضج السنن، ويثبتون حتى يحين وعد الله. فالصبر في القرآن ليس خُلُقًا فرديًا يزين شخصية المؤمن فحسب، بل قانونًا ربانيًا يحكم حركة الأمم، وسنةً ثابتة تتكرر كلما أراد الله أن ينقل شعبًا من الاستضعاف إلى الاستخلاف، أو أمةً من المحنة إلى التمكين. ولذلك جاء النداء الجامع: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، ليؤسس مشروعًا حضاريًا يبدأ بصبر الفرد، ويتسع إلى مصابرة الجماعة، وينتهي برباط الأمة كلها، حتى يكون الفلاح ثمرةً لهذا البناء المتدرج.
والصبر الذي يريده القرآن ليس استسلامًا للواقع ولا انسحابًا من ميدان المسؤولية، بل هو أعلى درجات الفعل الواعي؛ صبرٌ يثبت النفس على الطاعة، ويمنعها من السقوط في المعصية، ويمكنها من احتمال البلاء دون أن تنكسر، ويجعلها قادرة على مواصلة الدعوة والإصلاح والجهاد مهما تعاظمت التضحيات. ولهذا قرن الله بين الصبر والصلاة فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، لأن الطريق إلى المقاصد الكبرى لا يُقطع بقوة الأبدان وحدها، بل بقوة الأرواح التي تستمد ثباتها من الله.
ومن هنا نفهم أن الابتلاء ليس عقوبةً كما يتصور بعض الناس، بل هو مدرسة إعداد، ومعمل رباني تُصاغ فيه النفوس المؤهلة لحمل الرسالة. ولذلك لم يعد الله المؤمنين بطريق خالٍ من الألم، بل قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. فالبلاء ليس نهاية الطريق، وإنما بدايته؛ إذ لا تبلغ النفوس مراتبها العليا إلا بعد أن تعبر وادي الابتلاء، وهناك يتميز الصادق من المدعي، والثابت من المتردد.
ولهذا لم يجعل القرآن القيادة ثمرةً للقوة أو المال أو النفوذ، وإنما ربطها بقانونين عظيمين: الصبر واليقين. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فالإمامة لا يصنعها الضجيج الإعلامي ولا النفوذ السياسي، وإنما تصنعها النفوس التي ثبتت في مواطن الفتن، ورأت وعد الله بعين اليقين قبل أن تراه الأبصار. وكل قيادة فقدت الصبر أو اليقين فقدت القدرة على صناعة التاريخ مهما امتلكت من أسباب القوة.
ومن أعظم ما يناله الصابر أن الله لم يعده بالأجر وحده، بل وعده بمعيته الخاصة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وهذه المعية ليست مجرد سكينة في القلب، بل هي تسديد وحفظ وتوفيق ومدد، وهي السر الذي يفسر كيف تنتصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وكيف تتحول لحظات الانكسار الظاهرة إلى بدايات نصر لا يراه إلا من أبصر سنن الله في التاريخ.
ولهذا لا يفصل القرآن بين الصبر والنصر؛ فالنصر ليس ومضةً عابرة، وإنما ثمرة مسار طويل من الثبات. قال تعالى: ﴿بَلَىٰ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا... يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾، فجعل المدد الإلهي مرتبطًا بالصبر قبل ارتباطه بالعدة والعتاد. وهكذا كانت بدر، وهكذا كان فتح مكة، وهكذا جرت سنة الله في كل دعوة حق؛ فلم يكن النصر يومًا نتيجة تفوقٍ مادي مجرد، بل ثمرة قلوبٍ لم تهزمها المحن.
وحين ننظر إلى غزة اليوم، فإننا لا نقرأ مجرد حربٍ أو حصار، بل نرى تجليًا حيًا لهذه السنة القرآنية. فوسط القتل والجوع والدمار والنزوح، يبقى الصبر هو الحصن الذي يحفظ المجتمع من الانهيار، وهو القوة التي يعجز الخصم عن كسرها مهما امتلك من أدوات البطش. إن أخطر ما يواجهه المحتل ليس السلاح وحده، بل الإنسان الذي لا يفقد يقينه، ولا يساوم على كرامته، ولا يسمح للمحنة أن تنتزع منه إرادة الحياة. فحين يبقى الإنسان ثابتًا، يبقى قادرًا على إعادة البناء، أما إذا انهارت روحه فلن تنفعه كل إمكانات الأرض.
ويختم القرآن هذه السنة بوعدٍ فريد لا يشبه سائر الوعود: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. إنه الجزاء الذي لا تحده المقاييس، لأن الصبر نفسه عبادة تمتد مع امتداد البلاء، ويعظم أجرها كلما اشتدت المحنة.
وهكذا يكشف القرآن أن الأمم لا تنهض لأنها الأقوى، ولا تبقى لأنها الأغنى، وإنما لأنها تعرف كيف تصبر حتى تنضج السنن، وكيف تثبت حتى يأتي وعد الله. فالصبر ليس مرحلةً بين الهزيمة والنصر، بل هو الطريق الذي يصنع النصر نفسه، ويصنع قبله الإنسان الذي يستحق أن يحمل أمانته. ولذلك بقيت الوصية القرآنية خالدة لكل جيل يواجه المحن: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ فهي ليست توجيهًا لفرد، بل قانون يحكم حركة التاريخ، وسنة ربانية لا تتخلف ما دامت السماوات والأرض.

