﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]
الحمد لله الذي لا يخلو زمانه من رجالٍ يثبتون إذا اضطرب الناس، ويصدقون إذا كثرت الادعاءات، ويبيعون أنفسهم لله فلا يطلبون من الدنيا إلا رضاه، فإذا مضوا إلى ربهم، بقيت آثارهم تمشي بين الناس، وبقيت سيرتهم تربي أجيالًا لم تلتقهم قط، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84].
حين يرتقي رجلٌ من هذا الطراز، لا تفقده أسرته وحدها، ولا يبكيه مخيمه وحده، بل تخسر الأمة لبنةً من لبنات ثباتها، ويغيب شاهدٌ من شواهد القرآن وهو يمشي على الأرض. فليست قيمة الرجال في طول أعمارهم، وإنما في عمق أثرهم، وليس الخلود بكثرة السنين، وإنما بصدق العهد مع الله.
ذلكم هو الشيخ القائد أدهم نسمان "أبو راتب"، الذي نحتسبه عند الله من الصادقين، ولا نزكي على الله أحدًا.
لقد جمع الله له خصالًا قلّ أن تجتمع في رجل؛ فكان رجل القرآن حفظًا وتحفيظًا ورعايةً، يفتح للصغار أبواب كتاب الله قبل أن يفتح لهم أبواب الحياة، ويغرس في قلوبهم أن القرآن ليس كتابًا يُتلى فحسب، بل منهجٌ يُعاش، ورسالةٌ تُحمل، وطريقٌ يُهتدى به. وكان مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
وكان رجل التربية قبل أن يكون رجل القيادة؛ يربي الناس بأخلاقه قبل كلماته، ويؤثر في القلوب بسكينته قبل مواعظه، حتى غدت سيرته درسًا عمليًا في الصبر، والتواضع، وحسن الخلق.
وكان رجل المحراب؛ يعرفه الليل ساجدًا، ويعرفه الفجر قائمًا، يرجو وعد الله الذي قال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18].
وكان رجل الميدان؛ حاضرًا حيث يجب أن يكون الرجال، لا يكتفي بالكلمة إذا احتاج الموقف إلى الفعل، ولا يتأخر إذا دعا الواجب إلى التضحية، مؤمنًا بأن الإيمان الصادق لا ينفصل عن العمل الصادق.
ولم يكن أبو راتب قائدًا يراقب الناس من بعيد، بل كان يعيش بينهم. يعرفه أطفال المخيم قبل شبابه، ويأنس إليه كبار السن قبل أقرانه.
إذا مرّ في أزقة مخيم الشاطئ، ردّ السلام على الصغير قبل الكبير، وأدخل الطمأنينة إلى القلوب قبل أن ينطق بكلمة. فكان قريبًا من الناس، قريبًا من همومهم، قريبًا من آلامهم، ولذلك كان قريبًا من قلوبهم.
ثم جاءت المحرقة الكبرى... وفي مثل هذه الأيام لا تُختبر الأقوال، وإنما تُختبر الرجال. هناك يقف كل إنسان أمام حقيقة نفسه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لِّيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: 37].
وقد اختار "أبو راتب" طريقه كما اختاره آلاف الصادقين قبله؛ طريق الثبات حتى آخر النفس، فختم الله له بالشهادة مع أفرادٍ من أسرته، بعد عمرٍ قضاه بين القرآن، والتربية، والعبادة، والبذل، والصبر، وخدمة الناس.
وما أجمل خاتمة رجلٍ عاش لله، فاختاره الله إلى جواره في أحب المقامات. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[آل عمران: 169].
ولم يكن "أبو راتب" رجلًا عابرًا في مخيم الشاطئ، ولا اسمًا يمر في سجل الشهداء، بل كان جزءًا من ذاكرة المكان. في كل زقاق له ذكرى، وفي كل مسجد له أثر، وفي كل مجلس له كلمة طيبة، وفي كل قلب له مساحة من المحبة.
واليوم تبكيه الأزقة التي ألفت خطواته، وتفتقده الوجوه التي اعتادت ابتسامته، لكن الأثر لا يموت، لأن الرجال الصادقين يرحلون بأجسادهم، وتبقى أرواحهم حاضرة في مشاريعهم، وفي تلامذتهم، وفي كل خيرٍ تركوه خلفهم.
بيننا وبينهم الجنائز... أما بينهم وبين الله فموعد صدق.
وأما نحن، فقد بقينا نحمل الرسالة التي حملوها، ونحرس البذور التي زرعوها، حتى يأتي وعد الله بإنباتها.
لقد ترك "أبو راتب" وآلاف الرجال الصادقين في غزة بذورًا لا تموت. قد يغيب أصحابها، لكن البذور تعرف موعد إنباتها، وتسقيها التضحيات قبل المطر، وترعاها دموع الأمهات قبل مياه السماء.
وستنبت هذه البذور – بإذن الله – جيلًا يحفظ القرآن كما حفظوه، ويعمر المساجد كما عمروها، ويثبت في الميدان كما ثبتوا، ويحمل الأمانة كما حملوها، مصداقًا لقوله سبحانه ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾[الأعراف: 58].
وسيأتي اليوم الذي يقف فيه تلامذة "أبي راتب" أو تلامذة تلامذته، في ساحات المسجد الأقصى، يتلون القرآن الذي غرسه في صدورهم، ويرفعون الراية التي عاش لها، فيعلم العالم أن الرجال قد يرحلون، لكن الرسالات لا تموت، وأن الله إذا اصطفى رجالًا لحمل دينه، جعل من دمائهم مدادًا يكتب به مستقبل الأمة.
إنها ليست قصة رجلٍ واحد، بل قصة أمةٍ تصنع رجالها بالإيمان، وتربيهم بالقرآن، وتودعهم بالدموع، ثم تستقبل أجيالًا جديدة تسير على خطاهم.
ولهذا ختم الله آية الصادقين بقوله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ الأحزاب: 23]
رحمك الله يا أبا راتب، وجزاك عن فلسطين وأهلها خير الجزاء، وجمعك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
ونسأل الله أن يجعل سيرتك صدقةً جارية، وأن يبارك في الغرس الذي غرسته، وأن يرزق هذه الأمة رجالًا يصدقون ما عاهدوا الله عليه، حتى يتحقق وعده، ويظهر دينه، ويعود الحق إلى أهله. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].

