فلسطين أون لاين

مع دخول شهر رمضان... إجراءات الاحتلال في المسجد الأقصى تُفاقم التوتر وتقيّد حضور المصلين

...
إجراءات الاحتلال في المسجد الأقصى تُفاقم التوتر وتقيّد حضور المصلين
غزة – القدس المحتلة/ عبد الرحمن يونس:

مع حلول شهر رمضان المبارك فعليًا، عادت مدينة القدس والمسجد الأقصى إلى صدارة المشهد، مع إجراءات إسرائيلية مشددة تُلقي بثقلها على الأجواء الدينية والاجتماعية في المدينة.

فبينما يحاول الفلسطينيون إحياء الصلوات والشعائر في أولى القبلتين، تتسع القيود المفروضة على الوصول إلى المسجد، وتزداد قرارات الإبعاد، وسط تحذيرات من انعكاسات هذه السياسات على مجمل الواقع المقدسي خلال الشهر الفضيل.

وخلال الأيام الماضية، تصاعدت أوامر الإبعاد عن المسجد الأقصى بشكل لافت. وبينما لم يتجاوز عدد من أعلنوا تسلّمهم قرارات إبعاد خلال الشهرين الماضيين 200 شخص، تشير تقديرات حقوقية إلى أن العدد الفعلي للمبعدين تخطّى حاجز الألف، ما يعكس اتساع نطاق هذه السياسة قبيل رمضان ومع دخوله.

طالع المزيد: "حماس": إبعاد عدد من أئمة وخطباء "الأقصى" جريمة عدوانية جديدة بحق المسجد
 

BJRNz.jpg


وتزامن ذلك مع قرارات بتمديد ساعات اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى صباحًا، عبر تقديم موعد الاقتحامات إلى الساعة 6:30 بدلًا من 7:00، وتمديدها حتى الساعة 11:30 بدلًا من 11:00، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة، وأُعلن أنها تأتي تعويضًا عن وقف الاقتحامات المسائية خلال الشهر الكريم.

وفي هذا السياق، قال الباحث في شؤون القدس فخري أبو ذياب، إن دخول رمضان ترافق مع حالة احتقان متصاعد في المدينة نتيجة الإجراءات التي فُرضت قبيل الشهر واستمرت مع بدايته على الوافدين إلى المسجد الأقصى.

وأوضح لصحيفة "فلسطين"، أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أعدّت خطة خاصة برمضان، صادق عليها وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وتتضمن قيودًا صارمة على دخول الفلسطينيين من محافظات الضفة الغربية إلى القدس لأداء صلاة الجمعة.

thumbs_b_c_6d3b10766c18a38a2ab6fd61108027cf.jpg

الباحث في شؤون القدس فخري أبو ذياب

وبحسب أبو ذياب، حُدد سقف لا يتجاوز 10 آلاف مصلٍّ من الضفة، مع إمكانية رفع العدد إلى 12 ألفًا في بعض الحالات، وفق تقييم ميداني وموافقة القيادة السياسية. كما تقتصر التصاريح على فئات عمرية محددة، تشمل الرجال ممن تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر، والنساء من 50 عامًا فما فوق، إضافة إلى الأطفال حتى سن 10 أعوام برفقة شخص بالغ وبموافقة مسبقة.

وأشار إلى أن الخطة تنص على إجراء تقييم جديد قبل حلول العشر الأواخر من رمضان، ما يعني أن السياسة المتبعة قد تشهد مزيدًا من التشديد أو التعديل تبعًا للتطورات الميدانية.

طالع المزيد: الأورومتوسطي: القيود الإسرائيلية على دخول الأقصى قبيل رمضان انتهاكٌ صارخ لحرية العبادة

ولا تقتصر الإجراءات على تقييد الأعداد، بل تشمل تعزيز الانتشار الأمني في محيط المسجد الأقصى وداخل البلدة القديمة، وعلى الحواجز ومناطق التماس، إضافة إلى تكثيف القوات في الضفة الغربية، والاستمرار في تنفيذ عمليات هدم المنازل خلال شهر الصيام، خلافًا لما كان معمولًا به في بعض السنوات السابقة.

من جهته، رأى الباحث في شؤون القدس عبد الله معروف أن ما يجري مع دخول رمضان يأتي في إطار سياق سياسي وأمني يتكرر سنويًا، لكنه يظهر هذا العام بدرجة أعلى من التصعيد والتنظيم.

وقال معروف، لـ"فلسطين"، إن الفترة التي تسبق رمضان غالبًا ما تشهد “شحنًا للأجواء” عبر تصريحات رسمية وتحذيرات أمنية تُقدّم الشهر بوصفه مرحلة توتر محتملة، وهو ما يهيئ الرأي العام لتقبّل إجراءات استثنائية لاحقًا باعتبارها ردًا على “تصعيد متوقّع”.

عبد-الله-معروف.jpeg

الباحث في شؤون القدس عبد الله معروف

وأضاف أن استمرار حملات الإبعاد، التي تجاوزت ألف مبعد من القدس وأراضي الداخل، إلى جانب القيود المفروضة على الوصول إلى المسجد، يعكس سياسة استباقية ذات أبعاد أمنية وسياسية تهدف إلى ضبط الفضاء الديني والوطني في القدس خلال فترة يشهد فيها الأقصى حضورًا جماهيريًا واسعًا.

وأشار معروف إلى أن اعتقال شاب من مدينة أم الفحم وإبعاده عن المسجد الأقصى على خلفية دعوته عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى الاعتكاف يعكس حساسية أمنية عالية تجاه أي دعوات لتعزيز الحضور الديني في المسجد، معتبرًا أن هذه الإجراءات تتجاوز البعد الأمني إلى إدارة سياسية للحضور الفلسطيني في المكان.

وبحسب مراقبين، يشكّل شهر رمضان اختبارًا عمليًا لحدود القيود المفروضة في الأقصى، إذ تتحدد ملامح المرحلة وفق حجم الإجراءات وطبيعة تطبيقها ميدانيًا، لا سيما خلال صلوات الجمعة والعشر الأواخر التي تشهد عادة كثافة في أعداد المصلين.

ويرى معروف أن استمرار الإبعادات وحالات الاعتقال المرتبطة بالدعوة إلى الاعتكاف قد يؤدي إلى احتكاكات موضعية خلال الشهر، خصوصًا إذا جرى توسيع القيود أو المساس بأنماط العبادة الجماعية المعتادة.

ولا تقف آثار الإجراءات عند حدود المسجد، بل تمتد – وفق الباحثين – إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية في القدس، لا سيما في البلدة القديمة والأسواق المحيطة بالأقصى.

طالع المزيد: "أغانٍ ورقصاتٌ جماعية".. مستوطنون يقتحمون باحات "الأقصى"

فشهر رمضان يمثل موسمًا دينيًا واجتماعيًا واقتصاديًا حيويًا للمدينة، حيث تنشط الأسواق وتزداد الحركة التجارية مع توافد المصلين. ومع تقييد أعداد الوافدين وتراجع الحركة، تتأثر الأسواق بشكل مباشر، وتتقلص مساحات التفاعل الاجتماعي المرتبطة بالمسجد، بما ينعكس على دوره التاريخي بوصفه مركزًا جامعًا للحياة الدينية والاجتماعية في القدس.

كما يبرز دور الفلسطينيين من أراضي الداخل، الذين شكّلوا على مدار سنوات رافدًا أساسيًا في إعمار المسجد الأقصى بالمصلين ودعم الاقتصاد المقدسي عبر مبادرات شدّ الرحال والرباط والاعتكاف، وهو دور يرى متابعون أنه يكتسب أهمية مضاعفة في ظل القيود الحالية.

ويبقى المشهد في القدس مرهونًا بتطورات الميدان وطبيعة تطبيق الإجراءات المعلنة، في وقت يواصل فيه الفلسطينيون سعيهم للحفاظ على حضورهم الديني في المسجد الأقصى رغم القيود المتزايدة.

المصدر / فلسطين أون لاين