لم تعد المنح الصحية التخصصية، في سياق الدول والمجتمعات التي تسعى إلى النهوض بعد الأزمات، مجرد فرص فردية للارتقاء المهني، بل غدت أداة من أدوات السياسات العامة، ورافعة أساسية لتعزيز الحق في الصحة وبناء قدرات الأنظمة الصحية الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خلل في تنفيذ هذه المنح لا يقتصر أثره على الأفراد المعنيين بها، بل يمتد ليطال المجتمع بأسره، ويمس جوهر العدالة الصحية والاستثمار العام في الإنسان.
وقد تداولت الصحافة المحلية مؤخرًا حالات لأطباء من قطاع غزة حصلوا على قبول رسمي ونهائي في برامج تخصصية طبية نادرة خارج البلاد، بعد اجتيازهم الامتحانات الدولية والمقابلات المهنية، واستكمالهم جميع الإجراءات القانونية والإدارية المطلوبة، بما في ذلك توقيع التعهدات التي تُلزمهم بالعودة لخدمة القطاع الصحي في غزة لسنوات محددة.
غير أن هؤلاء الأطباء لم يتمكنوا من الالتحاق ببرامجهم، لا بسبب تقصير مهني أو انسحاب إرادي، بل نتيجة تعذّر السفر لأسباب خارجة عن إرادتهم، في حين تمكن أطباء آخرون، ممن استوفوا ذات الشروط، من الالتحاق والبدء بالتخصص فعليًا.
هذه الوقائع، كما عُرضت للرأي العام، لا تثير إشكالًا إنسانيًا فحسب، بل تفتح بابًا لتساؤلات قانونية عميقة تتعلق بطبيعة الالتزامات الناشئة عن المبادرات الصحية، وبحدود المسؤولية العامة المترتبة على القائمين عليها، وبمدى انسجام التنفيذ العملي مع الغايات المعلنة.
الحق في الصحة وبناء القدرات الوطنية
يُقرّ القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدّمته الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بأن الحق في الصحة لا ينحصر في توفير العلاج الآني، بل يمتد ليشمل تطوير الخدمات الصحية وبناء الكفاءات الطبية المؤهلة، باعتبار ذلك جزءًا لا يتجزأ من واجب الدول والمجتمع الدولي تجاه الشعوب.
وعليه، فإن تعطيل تدريب كوادر طبية مختارة، في تخصصات يعاني القطاع الصحي من نقص حاد فيها، يُعد مساسًا غير مباشر بهذا الحق الجماعي، ويُفقد المجتمع فرصة حقيقية لتعزيز قدرته على الصمود الصحي والاكتفاء التدريجي بخبراته الوطنية.
المساواة وتكافؤ الفرص في المبادرات الصحية
من المبادئ القانونية الراسخة أن المساواة بين المراكز القانونية المتشابهة واجبة، وأن أي اختلاف في المعاملة أو في النتائج يستوجب تبريرًا موضوعيًا ومعقولًا.
وحين يتساوى المقبولون في الشروط، وتُستكمل الإجراءات ذاتها، ثم تختلف النتائج بسبب عوامل جغرافية أو ظرفية لا يد للمتلقي فيها، فإن الأمر يثير شبهة تمييز في الأثر، حتى وإن غاب القصد.
والأصل، في المبادرات الصحية ذات الطابع الإنساني، أن تُمنح البيئات الأشد تضررًا معاملة تفضيلية إيجابية، بوصف ذلك استجابة عادلة للحاجة، لا عبئًا إضافيًا يفاقم من هشاشة الواقع القائم.
المنحة كالتزام عام لا كإجراء شكلي
رغم توصيفها كـ"منحة"، فإن القبول الرسمي في برنامج تخصصي، بعد استيفاء الشروط وتوقيع التعهدات، يُنشئ مركزًا قانونيًا مستقرًا، ويؤسس لعلاقة قائمة على التزامات متبادلة ذات بعد عام، تتجاوز المصلحة الفردية إلى المصلحة الصحية المجتمعية.
ويخضع تنفيذ هذه العلاقة لمبدأ حسن النية، الذي يقتضي أن يتحقق الالتزام في مضمونه وغايته، لا أن يُختزل في إجراءات شكلية أو مظاهر احتفالية لا تنعكس أثرًا فعليًا على أرض الواقع.
ولا خلاف على أن الظروف الاستثنائية قد تفرض تحديات حقيقية على التنفيذ، غير أن القاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن هذه الظروف لا تُسقط الالتزامات، بل تستدعي البحث عن حلول بديلة، أو إعادة توازن معقول، يحفظ جوهر الالتزام ويمنع تحميل طرف واحد كامل الكلفة.
إمكانيات قانونية لم تُستثمر
ويزداد تساؤلاً مشروعًا حين نعلم أن القانون الدولي الإنساني يجيز، بل يشجّع، تيسير مرور الطواقم الطبية لأغراض إنسانية وصحية، وأن هذا المسار طُبّق عمليًا في حالات متعددة عبر رعاية منظمات دولية محايدة، لتمكين وفود وفرق طبية من العبور المؤقت.
ومن ثم، يبرز سؤال قانوني موضوعي لا سياسي: إذا كان بالإمكان تفعيل هذه الآليات لتقديم الخدمة الصحية، فلماذا لا يُنظر إليها كمسار مشروع لتمكين تدريب كوادر طبية مختارة، مشروط بعودتها لخدمة المرضى في المناطق الأشد حاجة؟
إن إغفال هذا الخيار، دون بحث جاد في إمكانياته، لا يُفرغ المبادرات الصحية من مضمونها فحسب، بل يحمّل النظام الصحي في غزة كلفة إضافية كان بالإمكان تفاديها.
إن القضية المطروحة ليست مسألة سفر أفراد، ولا نزاعًا حول فرص مهنية، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزامنا بمفهوم العدالة الصحية، وبمصداقية المبادرات الإنسانية، وبقدرتنا على تحويل النصوص والوعود إلى أثر ملموس في حياة الناس.
فحين تكون الحاجة أشد، يكون الواجب أوضح، وتغدو المسؤولية القانونية والأخلاقية مضاعفة، لا مؤجلة.

