في ظل حربٍ مستمرة وقيودٍ مشددة على دخول الإمدادات الإنسانية إلى قطاع غزة، تتفاقم معاناة النساء بشكلٍ خاص مع النقص الحاد في مستلزمات النظافة والعناية الشخصية، وهي احتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها للحفاظ على الصحة والكرامة الإنسانية. ومع تكرار النزوح والاكتظاظ داخل مراكز الإيواء والخيام، بات الحصول على أبسط هذه المستلزمات تحديًا يوميًا يثقل كاهل النساء صحيًا ونفسيًا، ويضعهن في ظروفٍ تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية.
هذا الواقع دفع مبادراتٍ مجتمعية إلى محاولة سد جزءٍ من الفجوة الإنسانية، من أبرزها مبادرة "دفء حواء" التي جاءت استجابةً لاحتياجات ميدانية رُصدت خلال العمل التطوعي في مناطق النزوح المختلفة، حيث تبيّن أن آلاف النساء يفتقدن مستلزمات أساسية تمس حياتهن اليومية وكرامتهن.
طالع المزيد: فتح باب التقديم لمبادرة "تعافي الأعمال" لدعم النساء الرياديات في فلسطين 2026
وأُطلقت المبادرة بإشراف الناشط في العمل الإنساني والمتخصص في المبادرات المجتمعية نسيم الزيناتي، لتقديم تدخلات تراعي احتياجات المرأة المعيشية والنفسية معًا، انطلاقًا من فكرة أن الدعم الحقيقي لا يقتصر على المساعدة المادية، بل يشمل أيضًا إحياء الشعور بالاهتمام والاحتواء، والتأكيد أن المرأة في غزة ليست رقمًا في قوائم الاحتياج، بل إنسانة لها حق في الدفء والأمان والكرامة.

وتروي ياسمين – وهو اسم مستعار حفاظًا على خصوصيتها – وهي إحدى المستفيدات من المبادرة بعد نزوحها المتكرر وفقدان منزلها في حي الشجاعية، أن أكثر ما كان يرهقها عجزها عن توفير مستلزمات النظافة الأساسية لها ولابنتيها. وتوضح في حديثها لـ"فلسطين" أن الحصول على حقيبة "دفء حواء" لم يكن مجرد مساعدة عينية، بل رسالة إنسانية شعرت معها بأن هناك من يلتفت لمعاناة النساء اليومية التي قد يغفل عنها كثيرون، مضيفةً: "حين تسلمت الحقيبة شعرت لأول مرة منذ شهور أن أحدًا يتذكر احتياجاتنا نحن النساء، وليس فقط الطعام والماء".
ويشير الزيناتي إلى أن اسم المبادرة يحمل دلالة رمزية عميقة؛ فـ"حواء" ترمز إلى المرأة والأم والحياة، بينما يعكس "الدفء" معنى الطمأنينة والدعم المعنوي والوقوف إلى جانب النساء في أصعب الظروف. ويضيف أن الاسم يجسّد فلسفة المبادرة القائمة على تقديم العون بروحٍ إنسانية تحترم الخصوصية وتمنح الأمل وسط واقعٍ يثقل كاهل النساء بتحديات متزايدة.
وبدأ تنفيذ المبادرة خلال الفترة الأخيرة مع تصاعد الاحتياجات الإنسانية، حيث تمكنت الجهود التطوعية حتى الآن من الوصول إلى أكثر من 200 سيدة في عدة مناطق داخل مدينة غزة، ضمن إمكاناتٍ محدودة يجري العمل على توسيعها تدريجيًا للوصول إلى أكبر عدد ممكن من النساء، خاصة الأكثر تضررًا من النزوح وفقدان المأوى.
طالع المزيد: صرف مساعدة مالية بقيمة 500 شيكل ضمن مشروع التنمية الاجتماعية
وتتضمن الحقيبة التي تقدمها المبادرة مجموعةً من المستلزمات الأساسية للحياة اليومية، منها طقم صلاة، وبشكير، وفوط صحية نسائية، وبلوزة وبنطلون، في محاولةٍ لتوفير احتياجات بسيطة لكنها ضرورية للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الكريمة في ظروف النزوح القاسية. كما تُرفق مع كل حقيبة رسالة دعمٍ معنوية تؤكد للمرأة المستفيدة أن هناك من يقف إلى جانبها ويقدّر صمودها، في لفتةٍ إنسانية تهدف إلى تخفيف شعور العزلة الذي تعيشه كثير من النساء.
وقد حظيت المبادرة بتفاعلٍ واسع، مع وصول مساهمات من متبرعات ومتطوعات من مختلف الدول العربية والإسلامية، في مشهدٍ يعكس حجم التضامن الإنساني مع المرأة الفلسطينية وإدراك أهمية دعمها في ظل الظروف الصعبة. وأسهم هذا التفاعل في استمرار المبادرة وتعزيز قدرتها على توسيع نطاق تدخلها رغم محدودية الموارد.
ويؤكد القائمون على "دفء حواء" أن المبادرة ليست تدخلًا مؤقتًا بقدر ما تمثل نهجًا إنسانيًا يسعى إلى إحداث أثرٍ مستدام، يقوم على تقديم الدعم باحترامٍ ووعيٍ لاحتياجات النساء النفسية والاجتماعية؛ فالمساعدة الحقيقية – كما يشيرون – هي تلك التي تصل إلى القلب قبل أن تصل إلى اليد، وتمنح الإنسان شعورًا بالكرامة قبل أي شيء آخر.
وفي ظل استمرار الأوضاع الإنسانية القاسية، تبقى مبادراتٌ مثل "دفء حواء" رسائل أملٍ وتضامن، تحاول – ولو بإمكاناتٍ بسيطة – التخفيف عن النساء بعضًا من قسوة الحياة اليومية، والتأكيد أن التضامن الإنساني ما يزال قادرًا على صنع فارقٍ حتى في أحلك الظروف.

