فلسطين أون لاين

تقرير من خيمة النزوح… يولد معرض الأمل

...
"معرض الأمل".. متحف فني يروي حكاية جيل يحاول النجاة في غزة
غزة/ فاطمة العويني:

في زاويةٍ صغيرة من خيمة نزوحٍ لا تقي حرًّا ولا بردًا شمال قطاع غزة، تصنع الشابة مرح الزعانين عالماً موازياً للحرب؛ أوراقٌ معلّقة تتحول إلى لوحات، وألوانٌ شحيحة تصبح ذاكرة بصرية لألمٍ جماعي وأملٍ مؤجل. هناك، لا تبدو الخيمة مأوى مؤقتاً فحسب، بل متحفاً فنياً يروي حكاية جيلٍ يحاول النجاة بالفن حين تضيق الحياة بكل شيء.

لم تجد مرح الزعانين (18 عاماً) وسيلةً لمواجهة أهوال الحرب والنزوح المتكرر والجوع القاسي سوى الورق والألوان، فحوّلت الرسم إلى متنفسٍ نفسي ومساحةٍ للنجاة من واقعٍ يزداد قسوة يوماً بعد آخر، حتى غدت خيمة نزوحها معرضاً فنياً مفتوحاً يجسّد معاناة الفلسطينيين وأحلامهم بالأمان.

زائر خيمتها يتيه بين لوحاتٍ ترصد وجوه الفقد والنزوح والخوف، وتعكس في الوقت ذاته بصيص أملٍ بأن تعود الطمأنينة إلى غزة وتعوَّض الأجيال الشابة عن سنواتٍ عاشتها داخل خيامٍ قماشية لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف.

وتقول الزعانين لصحيفة "فلسطين" إن ممارسة موهبتها لم تكن سهلة في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت وتوقف الدراسة وغياب أبسط مقومات الحياة، مضيفةً: "مع توقف كل شيء حولي، كان الرسم ملاذي الوحيد لأفرّغ مشاعري وكل ما أمرّ به".

ChatGPT Image 12 فبراير 2026، 07_03_41 م.png


وتوضح أن الحرب غيّرت موضوعات لوحاتها بالكامل؛ فبعد أن كانت ترسم تصميمات الأزياء، أصبحت اليوم توثق النزوح والفقد والمعاناة، مشيرةً إلى أن تطورها الفني جاء رغم الظروف القاسية: "رسوماتي أصبحت أكثر إتقاناً… جسدت فيها صرخاتي ومشاعري وكل ما نعيشه".

كانت تنتظر ساعات المساء لترسم على ضوء كشافٍ صغير بعد أن يخلد الجميع للنوم، في لحظاتٍ تختلط فيها العزلة بأصوات الصواريخ، محاولةً تجاهل الجوع بالاندماج في الألوان خلال فترات المجاعة.

لكن حتى هذا الملاذ لم يكن دائماً متاحاً؛ فقد فقدت كثيراً من لوحاتها بسبب حرّ الشمس الذي يخترق الخيمة أو أمطار الشتاء التي أغرقت المكان، إضافةً إلى ضياع أعمالٍ أخرى خلال النزوح المتكرر.

ومع انعدام المواد الخام، لجأت إلى بدائل قاسية؛ فرسمت أولاً بأقلام الرصاص، ثم بالحبر الجاف بعد نفادها، قبل أن تستخدم "الشحبار" ـ السواد المتراكم على أواني الطهي ـ لتواصل الرسم رغم كل شيء.

ورغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ، ما تزال معاناة توفير الورق والألوان مستمرة، في ظل صعوبة الأوضاع المعيشية وعدم دخول مستلزمات الفن عبر المعابر، إلا أن ذلك لم يدفعها إلى الاستسلام.

وتقول: "الفن هو المجال الوحيد الذي أستطيع من خلاله التعبير عما في داخلي… وعندما لم أجد مكاناً لعرض لوحاتي زيّنت بها خيمتنا".

تحويل الخيمة إلى متحفٍ فني لم يكن مجرد محاولةٍ شخصية للنجاة، بل رسالةٌ إلى العالم لرؤية موهبتها وحلمها المؤجل بدراسة الفن في إيطاليا، حيث تتمنى أن تُعرض أعمالها يوماً على جدران متحفٍ حقيقي بدلاً من قماش خيمةٍ أنهكتها الحرب.

وتختم الزعانين بحلمٍ بسيط يشبه لوحاتها: "أريد أن يرى العالم رسوماتي… كجزءٍ نجا من حربٍ طالت كل شيء".

المصدر / فلسطين أون لاين