تعيش الحاجة أم عوني ياسين (65 عاماً) في خيمة متهالكة داخل “مخيم الفارس” شمال غزة، ترعى ثلاث حفيدات يتيمات بعد استشهاد أبنائها الثلاثة في فترات متعاقبة، آخرهم خلال الحرب الجارية.
وبين أمراض القلب والضغط والسكري، وحاجتها العاجلة لعملية جراحية في عينيها، تخوض السيدة الستينية معركة يومية للحفاظ على ما تبقى من عائلتها وسط ظروف نزوح قاسية وانعدام مقومات الحياة.
تتحمل “أم عوني” اليوم مسؤولية إعالة حفيداتها الثلاث (14 و12 و10 سنوات) بعد استشهاد والدهن حاتم، الذي لحق بشقيقيه طارق وعوني. وتقول لصحيفة "فلسطين" إن همّها الأكبر ليس مرضها، بل “أن تبقى قادرة على خدمة البنات ورعايتهن”، مؤكدة أنهن الأمانة التي ستظل متمسكة بها “حتى آخر نفس”.

مسيرة الفقد في حياة أم عوني لم تبدأ مع الحرب الحالية، بل تعود إلى سنوات انتفاضة الأقصى، حين استشهد نجلها طارق. تقول بثبات: “استشهد لي ثلاثة أبناء، نذرتهم لله وللوطن، ولم أبخل بهم على فلسطين”. ومنذ ذلك الحين، تعرض منزل العائلة للقصف أكثر من مرة، وكانت في كل مرة تخرج من تحت الركام لتبدأ من جديد.
مع اندلاع الحرب الأخيرة، تلقّت العائلة الضربة الأقسى؛ إذ استشهد نجلها عوني وزوجته وأطفاله جميعاً في قصف طال منزلهم، لتُمحى أسرته بالكامل. ولم يمض وقت طويل حتى استشهد نجلها الثالث حاتم، تاركاً خلفه ثلاث بنات وجدة مثقلة بالأحزان.
داخل خيمتها، تفترش أم عوني فراشاً مهترئاً بالكاد يقيها قسوة الأرض. لا جدران تحميها من برد الشتاء أو حر الصيف، ولا معيل يوفر احتياجات الحياة الأساسية. ورغم ذلك، تؤدي أدوار “الأب والأم والجدة” في آن واحد، في محاولة لتعويض حفيداتها عن حضن فقدنه مبكراً.

تقول بصوت متعب: “أنا مريضة وقلبي يتعبني، وأعيش بلا ستر، لكن وجعي الحقيقي هو خوف المستقبل على هؤلاء البنات. كبرن قبل أوانهن، ولا ذنب لهن في كل هذا”. وتضيف أنها تحتاج إلى عملية جراحية عاجلة في عينيها، بعدما بدأت العتمة تزحف إلى بصرها، “أريد فقط أن أرى وجوههن بوضوح، وأبقى قادرة على رعايتهن”.
قصة أم عوني تختصر جانباً من معاناة آلاف العائلات في غزة، حيث تتقاطع مرارة المرض مع قسوة الفقد والنزوح. وبينما تنتظر دعماً طبياً يمكنها من استعادة بصرها، يبقى هاجسها الأكبر تأمين حياة كريمة لثلاث يتيمات لا يملكن من الدنيا سوى حضن جدة صابرة، ترفض أن تنكسر رغم كل ما فقدت.

