فلسطين أون لاين

"عشرون ساعة من الخوف"... رحلة عودة سلوى أبو زاهر إلى غزة رغم الدمار

...
المواطنة سلوى أبو زاهر تعود إلى قطاع غزة بعد رحلة قسرية دامت عامين
غزة/ صفاء عاشور:

بعد أكثر من عامين من الغياب القسري، لم تكن عودة سلوى أبو زاهر إلى قطاع غزة رحلة عادية، بل طريقًا طويلًا من القلق والخوف والإهانات، انتهى بوصولها إلى مدينة لم يبقَ من بيتها فيها شيء، لكنها بالرغم من ذلك تصفها بأنها "أجمل مكان في العالم".

غادرت سلوى قطاع غزة في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2023 عبر معبر رفح، قبل أيام قليلة فقط من اندلاع الحرب، معتقدة أن سفرها لن يطول أكثر من بضعة أسابيع.

طالع أيضًا: تفتيشٌ مهين وتحقيقات قسرية... شهادات صادمة لعائدين عبر معبر رفح

غير أن إغلاق المعبر لاحقًا حوّل الرحلة القصيرة إلى غياب قسري دام أكثر من عامين، قضتها في مصر بعيدة عن زوجها وأبنائها، تعيش قلقًا دائمًا عليهم، وتتابع أخبار الحرب والدمار لحظة بلحظة، كما لو أنها تعيش تفاصيلها داخل غزة نفسها.

تقول سلوى إن أصعب ما عاشته خلال تلك الفترة لم يكن الغربة بحد ذاتها، بل الشعور بالعجز: "كنت أعيش كل يوم وأنا خائفة على أولادي، لا أستطيع حمايتهم ولا حتى الوصول إليهم. شعرت أنني بعيدة جسدًا فقط، أما قلبي فبقي هناك تحت القصف والخطر".

ومع الإعلان عن السماح بعودة دفعات من العالقين إلى قطاع غزة، قررت سلوى العودة ضمن الدفعة الثالثة، رغم علمها بأن منزلها قد دُمّر خلال الحرب، وأنها لن تجد مكانًا جاهزًا يأويها عند الوصول.

وتقول: "الإنسان لا يستطيع أن يعيش بعيدًا عن عائلته مهما كانت الظروف".

لكن رحلة العودة، التي كان يفترض أن تستغرق ثلاث ساعات فقط بين المعبر ومدينة غزة، تحولت إلى أكثر من عشرين ساعة من الانتظار والتحقيق والمعاملة القاسية، بحسب روايتها.

ChatGPT Image 10 فبراير 2026، 07_05_36 م.png


فقد تعرضت، مع واحدٍ وعشرين شخصًا ضمن المجموعة نفسها، لسلسلة طويلة من التحقيقات والتوقيف، رافقها توتر شديد وخوف متواصل، خاصة بعد احتجازهم في مكان شبه خالٍ من مقومات الحياة.

وتصف سلوى المشهد قائلة إن العائدين وُضعوا في منطقة فارغة محاطة بسياج يشبه السجن، لا تحتوي على مقاعد أو أماكن للراحة، ولا تتوفر فيها مياه أو حمامات، فيما كان الأطفال يبكون من التعب والعطش، ويجلس كبار السن على الأرض لساعات طويلة بانتظار السماح لهم بالتحرك.

وتضيف أن حالة من الرعب سادت المكان، خصوصًا مع سماع الشتائم والصراخ المتكرر من مجموعات تتحرك في محيط المنطقة، ما زاد شعور العائدين بعدم الأمان.

طالع أيضًا: بالأرقام.. حركة المسافرين عبر معبر رفح البري منذ الإثنين الماضي

وتشير إلى أن الرجال في المجموعة خضعوا لعمليات تفتيش وتحقيق مطوّلة، فيما عاش الجميع حالة من التوتر الشديد، لأنهم لم يكونوا يعرفون إلى متى سيستمر الانتظار، ولا ما الذي سيحدث بعد ذلك.

وتقول: "كانت الساعات تمر ببطء شديد. الأطفال تعبوا، والنساء حاولن تهدئتهم رغم أنهن كنّ خائفات أيضًا".

وعلى الرغم من قسوة الرحلة، تؤكد سلوى أن اللحظة التي اقتربت فيها من حدود مدينة غزة كانت مختلفة تمامًا، إذ شعرت بأن كل التعب الذي عاشته خلال سنوات الغياب وساعات الانتظار بدأ يتلاشى تدريجيًا.

وتضيف: "مجرد فكرة أنني سأرى أولادي جعلتني أتحمل كل شيء".

لكن العودة لم تكن نهاية المعاناة؛ فعند وصولها اكتشفت أن منزلها في حي تل الهوى قد دُمّر بالكامل، ولم يعد لديهم مكان يقيمون فيه، ما دفعها مع زوجها للبحث عن مأوى مؤقت في أحد المخيمات أو خيمة يمكن أن تجمع شمل العائلة من جديد.

ورغم قسوة الواقع، تقول إن وجودها إلى جانب أسرتها أعاد إليها شعورًا بالأمان افتقدته طوال فترة بقائها خارج القطاع.

وتوضح أن قرار العودة لم يكن سهلًا، خاصة مع معرفتها المسبقة بأنها ستعود إلى مدينة مدمّرة بلا منزل ولا استقرار، لكنها لم تتردد في اتخاذه، لأن البقاء بعيدًا عن عائلتها كان أصعب بكثير من مواجهة ظروف الحياة القاسية داخل غزة.

وتقول: "كنت أعيش في بلد واسع وآمن نسبيًا، لكنني لم أشعر يومًا أنني في مكاني الحقيقي".

واليوم تحاول سلوى مع زوجها ترتيب حياتهما من جديد، والبحث عن خيمة أو مكان بسيط يؤوي الأسرة ريثما تتحسن الظروف ويتمكّنان من إعادة بناء ما فقداه.

ورغم كِبر التحديات، تؤكد أن العودة كانت الخيار الصحيح بالنسبة لها، لأن "البيت ليس الجدران، بل الأشخاص الذين نعيش معهم".

وتختتم حديثها بابتسامة ممزوجة بالتعب قائلة: "رغم كل ما حدث، ورغم الدمار الواسع، يبقى قطاع غزة بالنسبة لي أجمل مكان في العالم. قد يضيق بنا، وقد نخسر فيه كل شيء، لكننا لا نستطيع أن نعيش بعيدًا عنه".

 

المصدر / فلسطين أون لاين