فلسطين أون لاين

من تلّ الهوا إلى النصيرات… ماهر أبو زاهر ورحلة البحث عن بيت

...
غزة/ صفاء عاشور:

لم تنتهِ رحلة النزوح بالنسبة لماهر أبو زاهر عند توقف القصف أو إعلان وقف إطلاق النار. الرجل الخمسيني الذي خسر شقته في أحد أبراج حي تلّ الهوا بمدينة غزة، يجد نفسه اليوم مقيمًا في مخيم النصيرات وسط القطاع، بعد سلسلة تنقلات فرضتها الحرب، تاركًا خلفه بيتًا بناه على مدار سنوات، وتحول إلى ركام خلال حملة عسكرية مفاجئة في سبتمبر 2025.

أبو زاهر، الذي بقي في غزة منذ الأيام الأولى للحرب برفقة ابنه وابنته، بينما كانت زوجته عالقة في مصر، تنقّل بين أحياء المدينة بحثًا عن الأمان، قبل أن يعود إلى شقته المتضررة ويحاول ترميم جزء منها والعيش فيه. غير أن تصعيدًا عسكريًا مفاجئًا في حي تلّ الهوا أجبره على النزوح جنوبًا، بعد إخلاء السكان تحت القصف.

في الجنوب، واجه ظروفًا معيشية قاسية داخل خيام مكتظة تفتقر إلى المياه والخدمات الأساسية، قبل أن يقرر العودة إلى حيه عقب إعلان وقف إطلاق النار، ليصطدم بواقع جديد: البرج لم يعد قائمًا، والحي بأكمله تحول إلى مساحات من الركام.

بداية الحكاية

من شرفة شقته في برجٍ سكني بحي تلّ الهوا، كان ماهر أبو زاهر يراقب المدينة التي عاش فيها عمره. لم يكن يتخيل أن البرج الذي جمع فيه سنوات عمله سيتحول يومًا إلى ذكرى.

مع اندلاع الحرب، اتخذ قرارًا بالبقاء في غزة. لم يشأ المغادرة، معتبرًا أن الرحيل يعني خسارة كل شيء دفعة واحدة. بقي مع ابنه وابنته، فيما كانت زوجته قد سافرت إلى مصر قبل أيام من اندلاع المواجهات، لتعلق هناك شهورًا طويلة.

يقول أبو زاهر لصحيفة "فلسطين" إن أصعب ما مرّ به لم يكن القصف وحده، بل العجز اليومي أمام احتياجات أطفاله. “حين يسألك أبناؤك عن الطعام أو الأمان ولا تملك جوابًا، تشعر أن الحرب دخلت إلى قلبك”، هكذا يصف أيامًا اضطر خلالها إلى تقليص الوجبات والاعتماد على مساعدات متقطعة.

صمد في مدينة غزة متنقلًا بين أحيائها، إلى أن هدأت الأوضاع نسبيًا، فعاد إلى شقته المتضررة في البرج، وأصلح جزءًا منها ليعيش فيه مؤقتًا. لكن في منتصف سبتمبر 2025، شنّ الاحتلال حملة مفاجئة على الحي، أُخلي خلالها السكان تحت القصف.

“مشهد تدمير البرج أمام عيني كان أقسى من قرار النزوح نفسه”، يقول. خلال ساعات، جمع أوراقه وبعض الملابس، وبدأ رحلة نزوح جديدة مع أبنائه نحو جنوب القطاع.

في الجنوب، لم تكن الحياة أرحم. خيام مكتظة، طوابير طويلة للحصول على الخبز، ونقص حاد في المياه. حاول أن يحافظ على تماسك أسرته الصغيرة، فيما كان السؤال الأكثر إيلامًا يتكرر: متى تعود أمّنا؟

لم يكن يملك إجابة واضحة، فاكتفى بطمأنتهم بأن اللقاء قريب.

ومع إعلان وقف إطلاق النار، قرر العودة إلى حي تلّ الهوا، معتقدًا أن النزوح انتهى. لكن الصدمة كانت مضاعفة؛ لم يجد البرج، ولا الشقة، ولا حتى ملامح الحي الذي عرفه. كانت العودة أشبه بنزوحٍ جديد، لكن هذه المرة بلا وجهة واضحة.

تنقل بين بيوت أقارب لفترات قصيرة، ثم نصب خيمة صغيرة. إلا أن الاكتظاظ وضيق الحال جعلا الاستقرار مستحيلًا. “أصعب ما في الأمر أنك لا تشعر بأن لك مكانًا ثابتًا”، يقول، “حتى بعد توقف القصف، تبقى حياتك معلّقة”.

أمام ضيق الخيارات، اتخذ قرارًا آخر بالانتقال إلى النصيرات، علّه يجد مساحة أهدأ يستقر فيها مؤقتًا. هناك بدأ يحاول إعادة ترتيب يومه، والبحث عن عمل يعينه على إعالة أبنائه، بينما لا يغادره التفكير ببيته الذي فقده.

اليوم، يعيش ماهر أبو زاهر في النصيرات، لكنه لا يعتبرها نهاية الرحلة. حلمه ما زال معلقًا بحي تلّ الهوا؛ ليس بالضرورة أن يعود البرج كما كان، بل أن يجد قطعة أرض أو زاوية بين الركام يمكن أن يسميها “بيتًا” من جديد.

قصته ليست مجرد حكاية نزوح، بل سيرة رجل انتقل من برج شاهق إلى خيمة، ومن خيمة إلى مخيم، وما زال يتمسك بأمل واحد: أن تتوقف الرحلة يومًا، وأن يجتمع شمل أسرته تحت سقفٍ واحد، أيّ سقف، في المدينة التي لم يغادرها قلبه.

 

المصدر / فلسطين أون لاين