في أحد بيوت غزة الصغيرة، يكبر رضيع لم يرَ وجه والده يومًا، ولم يسمع صوته، ولم يشعر بدفء حضنه. يحمل اسمًا اختارته أمّه على عجلٍ ممزوج بالأمل: "عيد"، كأنها تعلّق على حروفه وعدًا بلقاء مؤجل، وحياةً لم تبدأ بعد.
لكن الأب، محمد عيد صباح (33 عامًا)، لا يعلم حتى الآن أنه أصبح أبًا. فمنذ اعتقاله داخل مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة في 20 ديسمبر/كانون الأول 2024، انقطعت أخباره تمامًا، في حين يواصل الاحتلال إنكار وجوده في السجون، في واحدة من حالات الإخفاء القسري التي تعيشها عائلات فلسطينية كثيرة.
طالع أيضًا: "همسة".. طفلة انتظرت والدها المفقود فاغتالها "التمشيط" وهي نائمة
وسط هذا الغياب القاسي، يقف والده الطبيب عيد صباح، مدير التمريض في المستشفى ذاته، بين وجعين متلازمين: ابنٌ مخفيٌّ خلف القضبان، وحفيدٌ وُلد دون أن يحتضنه والده. يقول بصوت مثقل بالانتظار: "ابني لا يعرف أنه أصبح أبًا، لا يعلم أن زوجته كانت حاملًا، ولا أن طفلًا وُلد وينتظر اسمه".
تزوّج محمد قبل أيام قليلة من اندلاع حرب الإبادة على غزة، ولم ينعم بزفافٍ حقيقي أو بداية حياةٍ مستقرة. ومع اشتداد القصف، بقي في المستشفى يؤدي عمله دون انقطاع، رافضًا المغادرة رغم الخطر، إلى أن اعتُقل من مكان عمله.
بعد أيام من اعتقاله فقط، اكتشفت العائلة أن زوجته حامل. يروي الأب: "عرفنا بالحمل بعد اعتقال محمد بأيام… أما هو فلا يعلم حتى الآن أن له طفلًا اسمه عيد".
وُلد الرضيع قبل أربعة أشهر وسط الحرب والخوف والانتظار، شأنه شأن آلاف أطفال غزة الذين فتحت أعينهم على الغياب. يكبر "عيد" بينما صورة والده حبيسة الذاكرة والروايات، لا أكثر.
ورغم إنكار الاحتلال اعتقال محمد، يؤكد والده أن أسرى محررين أبلغوا العائلة أنهم التقوا به داخل السجن، دون معرفة مكان احتجازه أو ظروفه الصحية.
"طرقنا كل الأبواب، تواصلنا مع منظمات دولية والصليب الأحمر، لكن الاحتلال ينكر وجوده… وهذا أخطر من الاعتقال نفسه"، يقول الأب.
طالع أيضًا: بين الركام والإخفاء القسري.. أهالي مفقودي غزة يعيشون انتظارًا بلا إجابة
يزداد القلق يومًا بعد يوم، فالإخفاء القسري – كما يراه – حكمٌ مفتوح بالموت في ظل ما يتعرض له الأسرى من تعذيب وإهمال طبي وتجويع وبرد قاسٍ.
"كل خبر عن استشهاد أسير داخل السجون يعيد لنا الكابوس من جديد".
ويؤكد أن ما يحدث ليس مجرد غياب فردي، بل جريمة نفسية وإنسانية تمس عائلة كاملة: "حفيدي يكبر، ومحمد لا يعلم بوجوده… هذه قسوة لا تقل عن الاعتقال نفسه".
وفي نداء يحمل وجع الأب وصرخة الجد، يوجّه عيد صباح رسالته إلى العالم: "كفى صمتًا… نطالب بقرار عاجل للضغط من أجل إطلاق سراح الأسرى ووقف الإخفاء القسري والإهمال الطبي والتجويع".
كما دعا الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والصليب الأحمر إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والإنسانية، متسائلًا: "لماذا ما زالوا معتقلين حتى بعد توقف الحرب؟ وعلى أي ذنب؟".
في نهاية الحكاية التي لم تكتمل بعد، يبقى مشهدان متوازيان: زنزانة مجهولة لا يعلم ساكنها أنه أصبح أبًا، وسريرٌ صغير ينام عليه طفل لا يعرف أن اسمه قصة انتظار. بينهما تمتد حكاية فلسطينية أخرى… عنوانها الغياب، وأملٌ يرفض أن يُعتقل.

