بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة الجماعية، لم يعد السؤال المطروح في غزة مرتبطا بإمكانية العودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، بقدر ما بات سؤالا مفتوحا عن شكل المستقبل الممكن، مع الدمار الواسع، والخسائر البشرية غير مسبوقة، والتحولات العميقة التي طالت المجتمع والسياسة معا، وجعلت من فكرة "العودة إلى الوراء" أقرب إلى الحنين منها إلى التحليل الواقعي.
يذهب د. ربحي الجديلي أستاذ إدارة الأزمات في جامعات غزة، إلى أن قطاع غزة دخل منذ اندلاع الحرب، مرحلة سياسية واجتماعية مختلفة جذريا، فقد أعاد الدمار الهائل والنزيف الإنساني ترتيب أولويات المواطنين، لتتقدم متطلبات البقاء اليومي على أي نقاش سياسي أو وطني.
ويوضح الجديلي في مقابلة مع "فلسطين أون لاين" أنه مع انهيار البنية التحتية، وتراجع الخدمات الأساسية، وتعطل المؤسسات، بات الحديث عن استعادة شكل الحياة الذي كان قائما قبل أكتوبر 2023 حديثا منفصلا عن الواقع، في ظل غياب مقومات الحد الأدنى للحياة الطبيعية.

أستاذ إدارة الأزمات في جامعات غزة، د. ربحي الجديلي
حتى في حال توقف العمليات العدوانية العسكرية للاحتلال، تبدو غزة أمام مشهد جديد كليا، مجتمع مثقل بالصدمات، واقتصاد شبه مدمر، ومستقبل غامض يجعل أي تصور للمرحلة المقبلة محفوفا بالشكوك، وفقا للجديلي.
وشن جيش الاحتلال الإسرائيلي بدءا من 7 أكتوبر 2023 حرب إبادة جماعية شاملة في قطاع غزة وقتلت وأصابت أكثر من 10 % من السكان ودمرت 90 % من مباني القطاع.
ما قبل 2007.. مصالحة مستهلكة
ووسط الأزمات الناشئة بعد الحرب، يطرح البعض سيناريوهات للعودة إلى ما قبل الانقسام عام 2007، غير أن الجديلي يرى أن العودة إلى مرحلة ما قبل الانقسام الفلسطيني تبدو اليوم أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.
وأشار إلى تشكل وعي سياسي واجتماعي جديد خلال سنوات الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة، تراكمت خلاله خيبات أمل واسعة، وتآكلت الثقة الشعبية بمشاريع المصالحة التي طرحت مرارا دون نتائج ملموسة.
ولم يعد الشارع الفلسطيني – وفق الجديلي- ينظر إلى المصالحة بوصفها مشروع إنقاذ وطني، بل كملف قديم استهلك سياسيا، في ظل غياب قوة داخلية أو خارجية قادرة على فرض تنازلات حقيقية تفتح أفقا جديدا.
أبعد من الانتفاضات
ويرى الجديلي أنه كلما جرى الرجوع إلى مراحل أبعد، سواء ما قبل الانتفاضة الثانية أو الأولى، ازداد الانفصال عن الواقع القائم، مبينا أن المجتمع الفلسطيني نفسه تغير، في منظومة القيم، وأشكال القيادة، وطبيعة المقاومة، وحتى في نظرة العالم للقضية الفلسطينية.
غزة اليوم ليست جزءا من سياق وطني واحد كما في السابق، ولا من معادلة سياسية قابلة للتنبؤ، فهناك جيل كامل نشأ – حسب الجديلي- في ظل الحصار والحروب المتكررة، وهو لا يعرف من الحياة سوى استنباتها تحت الركام، ما يجعل استحضار نماذج الماضي عاجزا عن تفسير الحاضر أو رسم المستقبل.
تحولات عميقة
تشير معطيات المشهد الراهن إلى أن غزة لن تعود إلى ما كانت عليه، لا قبل 2023 ولا قبل 2007 ولا قبل الانتفاضات، ليس بسبب غياب الرغبة الشعبية، بل لأن عناصر الواقع تغيرت في العمق.
ويوضح خبير إدارة الأزمات أن وعي الناس لم يعد يتقبل شعارات كبرى لا تحمي الحياة، والثقة بالقيادات السياسية تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة، كما أن توازنات الإقليم والعالم تبدلت، في وقت يواصل فيه الاحتلال العمل على منع إعادة إنتاج أي واقع سابق لا يخدم أهدافه.
اقرأ أيضًا: "مجلس السلام" بين إدارة الدمار وتقويض الشرعية الدولية
في ظل الحديث عن تشكيل مجالس وإدارات جديدة في غزة، تبرز إشكالية فرض أي نموذج مؤسسي من الخارج دون توافق وطني.
ويرى الجديلي أن المشكلة لا تكمن في شكل الحكم فحسب، بل في غياب البيئة اللازمة لعمله، حيث لا استقرار سياسي، ولا ثقة شعبية، ولا ضمانات أمنية، ولا قدرة فعلية على تلبية احتياجات مجتمع منكوب.
ووفق تقديره؛ فإن أي كيان جديد سيجد نفسه أمام تحديات مزدوجة، مجتمع مرهق فقد القدرة على تحمل تجارب سياسية إضافية، وأطراف تنظر إلى أي بديل محتمل بوصفه تهديدا مباشرا لنفوذها.
بين التخفيف الإنساني وتعقيد السياسة
تحمل بعض المبادرات وعودا تتعلق بإعادة الإعمار وتحسين الخدمات، وهي مطالب ملحة للغزيين اليوم، غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن التركيز على البعد الخدمي دون معالجة الجذور السياسية، قد يؤدي إلى استقرار مؤقت سرعان ما يتفكك.
ويؤكد الجديلي أن المساعدات قد تسعف الجسد الفلسطيني، لكنها تترك روحه السياسية معلقة بين حسابات دولية وإقليمية، بما يفتح الباب أمام أزمات جديدة في مراحل لاحقة.
علاقة ملتبسة
السيناريو الأكثر ترجيحا – وفق المتابعين- لأي مجلس أو إدارة جديدة هو التعايش المتوتر؛ فالفصائل لن تتخلى بسهولة عن نفوذها، والسلطة الفلسطينية لن تقبل بتجاوزها، فيما يقف الشارع في موقع المراقب الحذر، مستعدا لمنح فرصة محدودة، لكنه أكثر استعدادا لسحبها إذا لم يلمس تغييرا فعليا في حياته اليومية.
في هذا السياق، يبدو أي استقرار محتمل هشا ومشروطا بقدرة الجهات القائمة على تقديم نتائج ملموسة تتجاوز الوعود، بحسب الجديلي.
دروس من تجارب الوصاية الخارجية
شهدت المنطقة محاولات سابقة لإدارة مناطق نزاع عبر وصاية أو إعادة هيكلة خارجية، حققت في بعض الأحيان نجاحات إنسانية محدودة، لكنها فشلت في بناء استقرار سياسي طويل الأمد لغياب الإرادة المحلية.
وغزة اليوم أكثر تعقيدا، مجتمع جريح، وساحة سياسية مشحونة، واحتلال يسعى لإعادة تشكيل الواقع بما يخدم مصالحه، هكذا يصف الجديلي المشهد.
في مقابل سيناريو الفرض الخارجي، يبرز خيار إنتاج معادلة فلسطينية جديدة، لا تقوم على إعادة تدوير الماضي، بل على إدارة محلية مهنية، وفصل الخدمات المدنية عن الصراعات الحزبية، وتشكيل قيادة انتقالية تحظى بقبول شعبي، ولو مؤقت، مع إشراك الكفاءات والخبراء في صناعة القرار.
اقرأ أيضًا: لجنة التكنوقراط في غزة: مهام إنسانية وتحديات سياسية وأمنية
ورغم صعوبة هذا المسار، فإنه وفق الخبير الفلسطيني يبقى الخيار الوحيد لتجنب بقاء غزة رهينة لقرارات الآخرين.
وبحسب الجديلي، فإن الدعم الدولي الفعلي لغزة يبدأ من الاعتراف بحق الفلسطينيين في اختيار شكل إدارتهم، ويمكن للمجتمع الدولي المساهمة عبر دعم حكومة وطنية انتقالية متوافق عليها، وتمويل الإعمار من خلال مؤسسات فلسطينية نزيهة، وتدريب الكوادر المحلية، وضمان حرية الحركة والاقتصاد دون شروط سياسية خانقة.

