فلسطين أون لاين

المعادلة الاسرائيلية ظلال الغياب و هندسة الفراغ

في تلك الغرف المظلمة من التاريخ، حيث يلتقي الوهم بالواقع كما في مسرحية شكسبيرية، يبرز قرار فتح معبر رفح بآلية التضييق الإسرائيلي علي العائدين والمغادرين كدليل حي على مسرحية التشغيل بلا حكم. ليس هذا القرار مجرد خطأ إداري أو تأخير يتعلق باللوجستيات، كما يدعي البعض في الدوائر السياسية، بل هو اختيار مدروس، يفصل بين الآلية التشغيلية اليومية والسيادة الحقيقية، كما يفصل الشاعر بين الكلمة والروح في قصيدة إليوتية. غزة، هذه الأرض المأهولة بالأرواح المتعبة، تبقى في فراغ إداري محسوب، يُدار عن بعد كما يُدار مسرح العرائس من خلف الستار، دون الاعتراف بأي كيان فلسطيني يمارس سلطة حقيقية أو يتحمل مسؤولية سياسية على الأرض.

في الوقت نفسه يستمر القتل الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينين حتى بعد الهدنة التي أعلنها ترامب في أكتوبر 2025. فمنذ دخولها حيز التنفيذ في 10 أكتوبر، سجلت وزارة الصحة في غزة وهي مصدر موثوق لدى الأمم المتحدة سقوط ما بين 556 شهيداً فلسطينياً حتى أوائل فبراير 2026، مع إصابة أكثر من 1500 آخرين، في انتهاكات شبه يومية تشمل غارات جوية واشتباكات وقصفاً متفرقاً. غالبية الضحايا مدنيون، نساء وأطفال، كما في تلك الأيام الدامية نهاية يناير وبداية فبراير، حيث سقط 30-32 شهيداً في يوم واحد.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي صرخات من تحت الأنقاض، تذكرنا بأن الهدنة متعددة المراحل الأولى في أكتوبر 2025، والثانية في مطلع 2026 مع إعادة فتح محدود لمعابر مثل رفح لم توقف الدماء تماماً، بل خففت شدتها مقارنة بحرب أودت بحياة أكثر من ٧١الف فلسطيني منذ 7 أكتوبر 2023.

في إطار تحليلي مستمد من هندسة القرار السيادي، الذي يميز بين الشرعية الشكلية والوظيفة التشغيلية والسيادة الفعلية، لا يُقاس هذا القرار بكونه فتحاً أو إغلاقاً، بل بطبيعة السلطة التي تتحكم به والدور الذي يلعبه في النظام الأوسع. فتح المعبر في فبراير 2026، كما أعلنته إسرائيل ومصر، محدود بحركة مشاة خاضعة لتفتيش إسرائيلي شامل، ويأتي بعد تأخير مرتبط باستعادة جثمان آخر رهينة إسرائيلي، كما في تصريحات مكتب نتنياهو. هذا يعني السماح بحركة إنسانية ولوجستية ضيقة خروج مرضى وجرحى محدود، ودخول بعض العائدين لكنه يمنع أي تموضع سياسي فلسطيني داخل القطاع. المعادلة واضحة الممر مفتوح جزئياً، لكن القرار مغلق تماماً. المعبر ليس حداً سيادياً فحسب، بل أداة ضبط قوائم، فحوص أمنية، تحكم زمني، رقابة تقنية.

بينما يُحظر دخول اللجنة التكنوقراط الفلسطينية التي تشكلت كجزء من خطة ترامب المكونة من 20 بنداً، والتي يُفترض أن تتولى الإدارة الانتقالية وإعادة الإعمار. في السياق الفلسطيني، الذي يشبه ملاحم هوميروس في صراعه الأبدي،تسعى اللجنة الفلسطينية للعمل على الأرض و التعامل مع السكان، وتحمل  ومتابعة ملفات الأمن والخدمات.

وفي ظل رفض إسرائيل السماح بدخول أعضائها، كما ذكرت تقارير اعلامية يحمل هذا القرار الإسرائيلي رسائل متزامنة، كما في سيمفونية بيتهوفنية إلى الفلسطينيين، لا إدارة معترف بها داخل غزة الآن؛ إلى الوسطاء، التشغيل ممكن دون تفويض سياسي؛ إلى المجتمع الدولي، الاستقرار أمني لا سياسي؛ إلى مجلس السلام نفسه، دوركم مظلي لا تنفيذي.

وفي غزة ما يحدث هو نموذج يُستخدم إسرائيليا عندما يكون الاعتراف السياسي مكلفاً، أو عندما لم ينضج البديل المرغوب. ليس فوضى، بل فراغ مُدار، يطيل الزمن دون حل. أخطر ما فيه تكريس سابقة إدارة إقليم كامل عبر الزمن واللوجستيات والأمن، دون تمثيل سيادي داخلي، تحول غزة إلى حي مأهول قابل للحياة لكنه غير قابل للحكم. فتح رفح لا يعني انتقالاً سياسياً؛ منع اللجنة يؤكد أن ما بعد الحرب لم يبدأ؛ القرار يهدف إلى ضبط بلا تمكين؛ أي إدارة فلسطينية حقيقية مؤجلة؛ السيادة تُدار لا تُمنح. في الخلاصة السيادية، ما نشهده ليس تناقضاً بل تصميماً تشغيل بلا حكم، وفي هندسة النزاعات، هذه أخطر مرحلة، تطيل الزمن دون حل، تبقي الجميع داخل النظام لكن بلا قدرة على تغييره.

المصدر / فلسطين أون لاين