أقر (الكنيست) مشروع قانون يفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن.. لم يكن هذا القرار مجرد إعلان موقف بل إعلان حرب على ما تبقى من أوهام السلام مدعوما من ائتلاف حكومي يجمع اليمين المتطرف من الليكود إلى الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت هذا الضم الذي ينص على الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني لإسرائيل في يهودا والسامرة يعيدنا إلى جذور الصراع حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة للهيمنة الاستعمارية الصهيونية ويصبح الاحتلال سيادة مفروضة مخالفاً لقرارات الأمم المتحدة مثل 242 الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في 1967.
الضفة الغربية هذه المنطقة الجيوسياسية التي تشكل 21 بالمئة من فلسطين الانتدابية ليست مجرد أرض إنها قلب الصراع مساحة 5680 كيلومترا مربعاً تضم جبال نابلس والقدس والخليل وغور الأردن بعد نكبة 1948 بقيت تحت الإدارة الأردنية حتى 1967 حيث ضمتها الأردن رسمياً عقب مؤتمر أريحا لكن قرار فك الارتباط في 1988 بناء على طلب منظمة التحرير أنهى ذلك مع الحفاظ على السيادة الأردنية على الأوقاف في القدس اليوم مع هذا الضم يصبح الاحتلال دمجا اقتصاديا وسياسيا يعزز الهيمنة الإسرائيلية على موارد المياه والزراعة ويحول الضفة إلى ملحق للاقتصاد الإسرائيلي.
من الناحية السياسية يمثل هذا القانون انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات أوسلو التي قسمت الضفة إلى مناطق أ ب و ج المنطقة أ التي تشكل 18 بالمئة وتشمل مدن مثل الخليل 201 ألف نسمة ونابلس 172 ألفا كانت تحت سيطرة فلسطينية كاملة أما ب 22 بالمئة فتجمع السيطرة المدنية الفلسطينية مع الأمنية الإسرائيلية و ج 60 بالمئة تسيطر عليها إسرائيل كلياً تضم الأغوار والمستوطنات في يونيو 2024 سحبت إسرائيل صلاحيات الإنفاذ من السلطة الفلسطينية في صحراء القدس منطقة ب وشرعت في هدم البناء الفلسطيني المتنامي مقدمة للضم الكامل هذا الإجراء يعني تفكيك الحكم الذاتي الفلسطيني ويعزز الاستيطان الذي يصل إلى 15 مستوطنة جديدة مصادق عليها مما يقوض أي إمكانية لدولة فلسطينية متصلة.
التأثيرات الأمنية :عميقة يبرر القانون الضم بتعزيز الأمن من خلال السيطرة على المرتفعات الجغرافية تقليل التهديدات الصاروخية والحفاظ على العمق الاستراتيجي لكنه في الواقع يفكك شبكات المقاومة ويمنع بنى تحتية عسكرية فلسطينية ويقلل خطر دولة فلسطينية معادية هذا النهج الاستعماري يذكرنا بسياسة الجسور المفتوحة التي رسمها موشيه دايان بعد 1967 حيث حافظت على تنقل نسبي عبر جسر الملك حسين لكنها حولت الضفة إلى سوق للمنتجات الإسرائيلية ومصدر عمالة رخيصة اليوم مع إغلاق جسر دامية يصبح الضم أداة للدمج القسري حيث يعمل 16.5 بالمئة من القوى العاملة الفلسطينية في إسرائيل والمستوطنات وتصل 82 بالمئة من الصادرات الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلي.
اقتصادياً: يعمق الضم التبعية الزراعة التي تساهم بـ5 بالمئة من الناتج المحلي مقيدة بسيطرة إسرائيل على المياه الأحواض الجوفية الثلاثة الشرقي الغربي الشمالي الشرقي توفر 86 مليون متر مكعب سنويا لكن أوامر عسكرية مثل 92 و158 تمنع الفلسطينيين من حفر آبار دون تصريح شركة ميكوروت تحتكر الاستخراج تبيع الفائض للفلسطينيين الذين يشترون 69 مليون متر مكعب لتغطية 45 بالمئة من احتياجاتهم المنزلية متوسط الاستهلاك الفلسطيني 63 لترا يومياً مقابل 300 للإسرائيلي مخالفاً توصيات منظمة الصحة العالمية هذا التمييز يحول المياه إلى سلاح سياسي يحد من الزراعة المروية 4 بالمئة فقط من الأراضي ويجبر الفلسطينيين على محاصيل بعلية أو تصديرية مثل النخيل في الأغوار مما يقلل العمالة ويغير التركيبة السكانية.
بيئياً :يفاقم الضم الكارثة في 2007 كان 38 بالمئة من مياه الصرف الصحي في الضفة من المستوطنات تتدفق إلى الأراضي الفلسطينية من سبع مناطق صناعية تضم 200 معمل نقل صناعات ملوثة مثل مبيدات الحشرات من كفر سابا إلى قرب طولكرم يدمر التربة والمياه الجوفية ويلوث الهواء بغازات سامة انتقدت العفو الدولية هذا النهج الذي يحرم الفلسطينيين من موارد مشتركة بينما يمنح المستوطنات توريدا غير محدود.
اجتماعياً :يعني الضم نزوحا ممنهجا لثلاث ملايين فلسطيني 30 بالمئة منهم من مهجري 1948 يواجهون جداراً فاصلاً ومستوطنات تبتلع الأراضي الانتفاضات مثل 1987 أدت إلى أوسلو لكن الضم يقضي على أمل الدولة الفلسطينية محولا الضفة إلى بانتوستانات معزولة يدعم القانون أحزاب مثل إسرائيل بيتنا ويؤكد دعوات يسرائيل غانتس لتنفيذ السيادة كخطوة أمنية لكنه في الحقيقة يعزز الاستعمار الاستيطاني الذي يرى في الضفة وطنا تاريخيا للشعب اليهودي.
في النهاية هذا الضم ليس نهاية الصراع بل إعادة صياغته يذكرنا بتاريخ الاستعمار حيث تتحول السيادة إلى أداة للقمع والاقتصاد إلى سلسلة تبعية كما لو كان الزمن يدور في حلقة من أوسلو إلى الضم يبقى السؤال هل يمكن للسلام أن ينبت في أرض محتلة أم أن هذا القانون مجرد فصل آخر في رواية الصراع الأبدي حيث تختلط الجغرافيا بالأيديولوجيا والحقوق بالقوة.

