في لحظة تاريخية دقيقة، حيث يتأرجح مصير شعب بأكمله بين أمل الهدنة وكابوس الاستمرار في العدوان، تأتي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ببيان يعكس عمق الوعي السياسي والالتزام الأخلاقي الذي ميّز نضال الشعب الفلسطيني عبر عقود الصمود. إن العثور على جثمان آخر أسير إسرائيلي، وتسليمه وفق المتطلبات الإنسانية، ليس مجرد إجراء فني في سياق اتفاق وقف الحرب على قطاع غزة، بل هو دليل قاطع على صدق المقاومة في الوفاء بكل بنود الاتفاق، تلك البنود التي رسمتها دماء الشهداء وصبر الأمهات تحت القصف الهمجي.
إن هذا الالتزام، الذي أكدته الحركة بلسان صريح، يأتي في وقت يحاول فيه الكيان الصهيوني التنصل من استحقاقاته، مستخدماً أساليب الخداع والتلاعب التي ألفناها من تاريخه الاستعماري الطويل. فالمقاومة، بكل فصائلها وحماس وجناحها العسكري، تُعلن أنها ستواصل التمسك بكل جوانب الاتفاق، بما في ذلك تسهيل عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة وإنجاح مهمتها في إعادة البناء والإعمار. هذا الموقف ليس ضعفاً، بل هو قوة استراتيجية تعكس رؤية وطنية شاملة، تهدف إلى حفظ كرامة الشعب الفلسطيني ووحدته في مواجهة محاولات التفتيت والتقسيم التي يسعى إليها الاحتلال.
وكما يحدث دائماً في مسرح السياسة الدولية المعاصر، حيث تتداخل المصالح الإمبريالية مع الظلم التاريخي، يأتي النداء الموجه إلى الوسطاء والولايات المتحدة الأمريكية بإلزام الاحتلال بوقف خروقاته المتواصلة. إن هذه الخروقات ليست حوادث عرضية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إفراغ الاتفاق من محتواه، وإدامة الحصار والقتل البطيء لأبناء غزة الصامدة. فالولايات المتحدة، بوصفها الراعي الأكبر للكيان الصهيوني، مدعوة اليوم إلى ممارسة ضغط حقيقي، لا مجرد كلمات جوفاء في مؤتمرات صحفية، لإجبار إسرائيل على تطبيق الاستحقاقات المطلوبة منها، بما في ذلك انسحاب القوات وفتح المعابر وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.
في هذا السياق، يبرز البيان الصادر عن حماس حول تسليم اخر جثة جندي اسرائيلي كنموذج للنضال السياسي الرصين، الذي يجمع بين القوة العسكرية والحكمة الدبلوماسية. إنه يذكّر العالم بأن المقاومة الفلسطينية ليست فوضى، بل مشروع تحرر وطني يلتزم بالقانون الدولي والأخلاق الإنسانية، فيما يستمر الاحتلال في انتهاك كل العهود. وإذا كان التاريخ يعلّمنا شيئاً، فهو أن صمود غزة سيبقى الضمانة الأولى لانتصار الحق الفلسطيني، مهما طال الظلم.

