أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن بدء المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار التي بدأت في 10 أكتوبر 2025، لقد جاءت الخطة بعد حربٍ استمرت قرابة سنتين مخلفةً أضرارًا جسيمة على الصعيد الفلسطيني، اذ عمل الاحتلال "الاسرائيلي" وفق خطة ممنهجةٍ على تدمير كافة المباني السكنية في قطاع غزة الذي يعتبر منطقة تركز المقاومة الفلسطينية في فلسطين بعد تلقيها ضرباتٍ موجعة من الاحتلال في الداخل الفلسطيني المحتل والضفة الغربية على مدار العقود السابقة.
وكانت المرحلة الثانية شاملةً لإنشاء مجلس السلام برئاسة ترمب، وتشكيل مجلس تنفيذي تأسيسي يتولى حشد الموارد وتنسيق المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية للخطة، بالإضافة لتشكيل مجلس يختص بملف إعادة إعمار قطاع غزة، وتشكيل لجنة إدارة وطنية تكنوقراطية برئاسة الدكتور علي شعث للعمل على اعادة تأهيل المؤسسات الفلسطينية، وتقديم الخدمات العامة للشعب الفلسطيني في القطاع.
كما أن من الجدير ذكره وجود دورٍ عسكريٍ أمريكي يتلخص بتعيين قائد إدارة العمليات اخاصة بالقيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط (جاسبر جيفرز) كقائدٍ لقوة الاستقرار الدولية المكلفة بإدارة الملف الأمني وتأمين إيصال المساعدات، وأخيرًا دعم مشروع نزع السلاح الفلسطيني المقاوم، كما يتعين (نيكولاي ميلادينوف) عضو المجلس التنفيذي في منصب "الممثل السامي" لغزة، ليعمل كحلقة وصلٍ ميدانية بين مجلس السلام واللجنة الوطنية التكنوقراطية لإدارة غزة.
وبناءاً عليه، ما الذي يدور في الذهن الأمريكي ويترجم على لسان رئيسه؟وهل تنجح خطته الرامية لتصفية القضية الفلسطينية بطريقةٍ التفافية على العالم؟
بدايةً تبدو الخطة الأمريكية للسلام في قطاع غزة ملغومةً للعالم بالعقلية السياسية الأمريكية ونظرتها للشرق الأوسط، حيث تسعى لترسيخ وجودها فيه وإبقاء "اسرائيل" بدور شرطي المنطقة الذي يحافظ على مصالحها، وليس كما يحلل البعض للخطة الأمريكية التي تحمل شعار (أمريكا أولًا)، بمعنى أنها ستعيد التفكير في سياستها حول المنطقة وصب تركيزها على الصعود الاقتصادي الصيني، غير أن الضربة التي تلقتها "اسرائيل" صبيحة السابع من أكتوبر 2023 من تنظيماتٍ فلسطينية تعرضت للحصار على مدار أكثر من عقدٍ ونصف، جعلت صورتها الأمنية والعسكرية تهتز في الذهنين العربي والاسلامي، وقد ساهم في ذلك الهزيمة التي تلقاها نظام بشار الأسد، والأحداث التي تلت ذلك.
لذلك تعمل الولايات المتحدة على نزع الصورة النمطية التي ترسخت عن "اسرائيل" من شعوب الدول العربية والاسلامية التي تصنفها كشعوبٍ معادية، على الرغم من تطبيع بعض الحكومات معها، إلا أن تخوف الأخيرة منها يبقى قائمًا، حيث دمويتها وصورتها كاحتلال إحلالي يسعى لإقامة "اسرائيل العظمى" على أنقاض العديد من دول المنطقة، وذلك من خلال إيجاد مجلس للسلام برئاسة ترمب بتبرير ضرورة إيجاد حل للصراع الفلسطيني – "الاسرائيلي" الجاري منذ أكثر من ثمانية عقود.
ولكن كما يظهر من تركيبة المجلس، فإن الهدف المتوقع منه يتلخص بتفادي الولايات المتحدة لحربٍ عالميةٍ ثالثة بعد تصاعد الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، التي تعتبر مسرحًا لعمليات العديد من الحروب، كما تزداد حدة التوترات الروسية الصينية الأمريكية، والأمريكية الأوروبية خصوصًا الفرنسية والخلاف الحاد حول غرين لاند، حيث أثبتت الأمم المتحدة فشلها في حل العديد من النزاعات في العالم خلال العقود الثلاثة الماضية، ما زاد من تصاعدها من خلال استمراء العديد من الدول لارتكاب الانتهاكات الجسيمة بحق الدول الضعيفة، ما جعل الولايات المتحدة برئاسة ترمب تنصب نفسها بدور الشرطي الذي لا يسمح لأي دولة منازعته في اتخاذ أي قرار يصب في مصلحته، خصوصًا في قضايا تتعلق بالشرق الأوسط.
كما يظهر من ترتيبات مجلس السلام إيجاد وصاية دولية للولايات المتحدة على قطاع غزة، والتي من المتوقع تمددها لتصل لبعض المناطق الأخرى التي تطمع "اسرائيل" في السيطرة عليها مثل بعض مناطق جنوب لبنان الذي يشهد العديد من الانتهاكات "الاسرائيلية" ضد حزب الله اللبناني، في ظل الانشغال الايراني وما قبله من الاحتجاجات الشعبية الإيرانية، لتكون الولايات المتحدة راسمةً لخيوط الانتداب الأمريكي الجديد في قطاع غزة بصورةٍ مدنية.
كما يأتي توظيف بعض الشخصيات التي تعتبر معادية لمشروع المقاومة الفلسطينية مثل اللواء سامي نسمان الذي كان يعتبر أحد أهم الشخصيات التابعة للسلطة الفلسطينية التي عملت على إيجاد قلاقل في المجتمع الفلسطيني بعد انسحاب السلطة الفلسطينية من القطاع بعد أحداث العام 2007، بالإضافة لبعض الشخصيات الأخرى التي تصنف بذات التصنيف دون وجود دلائل على تورطهم في تنفيذ أي قلاقل كما ذكر حول نسمان.
بالإضافة لذلك، يأتي تخطيط جاريد كوشنر لعقد مؤتمر للمانحين، بهدف جمع تبرعات لإعادة إعمار قطاع غزة خلال الشهر المقبل، ضمن الخطوات الهادفة لترسيخ خطة ترمب للسلام، كما تلغي أيضًا العديد من شركات الطيران العالمية رحلاتها من وإلى "اسرائيل" في ظل التوتر الأمني في المنطقة، وتعتقد "اسرائيل" عدم موافقة حماس على نزع سلاحها كما تنص أحد بنود الخطة، لذا فإنها تستعد لاحتمالية تجدد القتال، الأمر الذي دفع القوات "الاسرائيلية" للاستعداد لذلك بشكلٍ متقدم، وفق القناة 12 "الاسرائيلية".
حيث يعتبر شرط نزع سلاح المقاومة شرطًا جوهريًا لاستمرار وقف إطلاق النار واستكمال خطة ترمب، كما يعترض رئيس الوزراء "الاسرائيلي" بنيامين نتنياهو على مشاركة كلٍ من وزير الخارجية التركي (هاكان فيدان) ومستشار رئيس الوزراء القطري (علي الزوادي) في المجلس التنفيذي الخاص بغزة، بدعوى تماهيهم مع حركة حماس في مواقفها واحتواء بلادهم للعديد من قادة الحركة.
وعلى الرغم من هذا إلا أن إعلان حركة حماس عن استعدادها للتعاون لتسهيل عمل اللجنة الانتقالية المؤقتة لإدارة القطاع، حيث تسعى الحركة من خلال هذه الخطوة والخطوات التي سبقتها منذ قبول الاقتراح الأمريكي لوقف إطلاق النار في القطاع خلال الربع الأخير من العام المنصرم لتخفيف الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومنع تجدد القتال في القطاع.
بجانب هذا، تعمل حماس من خلال قبولها بما سبق على إعادة ترتيب صفوف قواتها، واعادة ترميم ما دمره الاحتلال خلال حربه على عمق القطاع خلال سنتين من الحرب خصوصًا في ظل فقدان العديد من قادة العمل العسكري والسياسي في قطاع غزة، وقد ظهر ذلك من خلال تنفيذ الانتخابات الداخلية للحركة، والتي تعتبر أحد أهم أشكال إعادة ترتيب الصف القيادي في الحركة، ما يسهل عليها اتخاذ قراراتٍ تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني خلال صراعه مع الاحتلال "الاسرائيلي".
وفي ضوء ذلك، لا تظهر الخطة الأمريكية أيّ حلول مستدامةٍ للشعب الفلسطيني، بل تعمل على إعطاءه حلولًا مؤقتة ضمن خطة إدارة الصراع التي يقودها (نتنياهو) منذ توليه السلطة في "اسرائيل"، غير أن الدعم الذي تلقته الأخيرة من الولايات المتحدة منذ الاعلان عن تأسيسها على الأرض الفلسطينية عام 1948 وحتى اليوم كان لا يساوي الدعم الذي تلقته خلال حربها على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اللحظة.
ولعل ذلك يؤكد على تماهي التخطيط الأمريكي مع "الاسرائيلي" لتصفية القضية الفلسطينية، وتذويب "اسرائيل" في المجتمعات المحيطة بها بواسطة الحكومات التي في طريقها للتطبيع معها، ويأتي ذلك يجانب العديد من المشاريع والخطط الرامية لكسر إرادة القتال لدى تلك المجتمعات، وإعادة رسم صورةِ "اسرائيل" كدولةٍ لا يمكن لأي من الشعوب قتالها والخروج بمظهر المنتصر، بل الهزيمة الحتمية والدمار الشامل الذي يلحق ببلاده.
وعلى الرغم من هذا إلا أن الظروف والشواهد الإقليمية في المنطقة لا تصب في مصلحتهم، بل تأتي عكس خططهم، كما حدث مع الثورة السورية التي أرست قواعدها بتسلم الثوار لسدة الحكم بعد النظام السابق، رغم تماهي غالبية الدول مع الأخير في فترته الأخيرة.

