تظل القضية الفلسطينية أحد أبرز الملفات في السياسة الدولية المعاصرة، حيث تتشابك فيها الأبعاد الإنسانية والسياسية والحقوقية، وتتفاعل مع التحولات الجيوسياسية المستمرة في المنطقة. وفي هذا السياق، تبرز الهند بوصفها دولة فاعلة لها موقف طويل الأمد تجاه القضية الفلسطينية، يجمع بين الثبات التاريخي في دعم حقوق الشعب الفلسطيني والمرونة السياسية في التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
يمكن القول إن الموقف الهندي من القضية الفلسطينية لا ينحصر في ردود فعل لحظية على الأحداث، بل هو نتاج تراكمات تاريخية وسياسية امتدت لعقود طويلة. فقد عارضت الهند مشروع تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة عام 1947، واعتبرت أن القضية الفلسطينية مسألة عدالة وحق تقرير مصير للشعب الفلسطيني، وهو موقف انسجم مع مبادئها الداعمة لحركات التحرر في العالم الثالث. وعقب استقلالها عام 1947، استمرت نيودلهي في دعم الفلسطينيين سياسيًا ودبلوماسيًا، فكانت من أوائل الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، ثم اعترفت بدولة فلسطين عقب إعلان استقلالها عام 1988، ما يعكس التزامًا ثابتًا وطويل الأمد تجاه القضية الفلسطينية.
وقد ارتبط هذا الموقف بدور الهند الريادي في حركة عدم الانحياز، حيث اعتُبرت فلسطين إحدى ركائز خطابها السياسي خلال فترة الحرب الباردة. إذ أكدت الهند مرارًا في بيانات رسمية، أبرزها تصريحات وزير الخارجية الهندي خلال مؤتمر الأمم المتحدة عام 2018، على دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أساس حل الدولتين. وأكدت أن هذه الدولة يجب أن تعيش بسلام وأمن ضمن حدود آمنة ومعترف بها دوليًا، وهو ما يشكل أساس الموقف الهندي الثابت تجاه القضية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، كررت نيودلهي موقفها في مناسبات متعددة داخل الأمم المتحدة، إذ أعلن السفير الهندي الدائم لدى المنظمة أن الهند ملتزمة بدعم حل الدولتين الذي يقود إلى إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة، تعيش بسلام وأمن إلى جانب إسرائيل، داعيًا إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين الطرفين لتحقيق السلام. كما شددت مندوبة الهند الدائمة لدى الأمم المتحدة على أن السلام الحقيقي لا يمكن تحقيقه إلا عبر الحوار والدبلوماسية المباشرة، مؤكدة ضرورة احترام حقوق الفلسطينيين ووقف العنف وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
إلى جانب المواقف السياسية، تتجلى إسهامات الهند العملية في تقديم الدعم للفلسطينيين عبر مساعدات إنسانية وتنموية. فقد أعلنت الحكومة الهندية أن حجم المساعدات التنموية المقدمة لفلسطين خلال السنوات الأخيرة بلغ حوالي 80 مليون دولار، تشمل دعم مشاريع البنية التحتية، التعليم، والصحة، إلى جانب مساهمات سنوية لصالح وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، بما يعكس استمرار الالتزام العملي تجاه الشعب الفلسطيني.
وقد جاء هذا الدعم على لسان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الهندية، الذي أكد أن المساعدات الهندية جزء من التزام مستدام لضمان حياة كريمة للفلسطينيين.
وعلى الرغم من هذا الدعم الواضح، شهدت السياسة الهندية تجاه فلسطين منذ أوائل التسعينيات تحولًا نسبيًا اتسم بالمرونة والبراغماتية، خصوصًا بعد إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل في عام 1992. وقد أدى هذا التقارب إلى تعزيز التعاون في مجالات الأمن، التكنولوجيا، والتجارة. غير أن هذا التطور لم يقوّض موقف الهند الرسمي الداعم للفلسطينيين، إذ تستمر نيودلهي في تأكيد حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم ضمن حدود آمنة، مع التزامها بحل الدولتين وفق المفاوضات السلمية.
وقد أكد وزير الخارجية الهندي في تصريحات صحفية نشرتها صحيفة تايمز أوف إنديا أن الهند دعمت العديد من القرارات في الأمم المتحدة لصالح الفلسطينيين، لكنها امتنعَت عن التصويت على قرارات اعتُبرت غير متوازنة، مؤكّدًا أن الهند تراعي الاعتبارات الإنسانية والتحالفات الإقليمية عند اتخاذ مواقفها الدولية، وأن موقفها تجاه القضية الفلسطينية لم يتغير منذ عقود. كما صرح وزير الدولة للشؤون الخارجية الهندي بأن دعم الهند للقضية الفلسطينية مبدئي واستراتيجي في الوقت نفسه، مشددًا على أهمية حل الدولتين وحقوق الفلسطينيين، إلى جانب موقفها الحازم ضد الإرهاب.
وتعكس هذه السياسة التوازن بين الالتزام بالمبادئ التاريخية و ضرورات المصالح الاستراتيجية، حيث تسعى الهند إلى عدم التضحية بمبادئها تجاه القضية الفلسطينية في الوقت الذي تبني فيه علاقات استراتيجية مع إسرائيل ودول أخرى.
وتكررت هذه المواقف في تصريحات رسمية للوزير الهندي للشؤون الخارجية أمام مجلس الشيوخ الهندي، أكد خلالها أن موقف الهند من فلسطين يتسم بالثبات على مبادئ حقوق الإنسان وحق تقرير المصير، مع مراعاة مصالح الأمن القومي والتحالفات الدولية.
يمكن القول إن السياسة الهندية تجاه القضية الفلسطينية تمثل نموذجًا فريدًا لمزيج من الثبات المبدئي والمرونة العملية، فهي تحافظ على دعم حقوق الفلسطينيين في المحافل الدولية وتواصل تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية، في الوقت الذي تراعي فيه مصالحها الاستراتيجية والعلاقات الثنائية مع إسرائيل ودول كبرى. ويجعل هذا المزيج من الموقف الهندي حالة جديرة بالدراسة، لفهم كيفية توظيف الدول لسياساتها الخارجية بين المبادئ التاريخية والمتغيرات الجيوسياسية الحديثة.
في الختام، يظل موقف الهند تجاه القضية الفلسطينية مؤكدًا على حل الدولتين وحق الفلسطينيين في تقرير المصير، مع استمرار تقديم الدعم الإنساني والتنمية المستدامة. ويُظهر هذا الموقف قدرة الهند على الموازنة بين إرثها التاريخي والتحديات المعاصرة، ما يجعلها لاعبًا دوليًا فاعلًا يمكن الاعتماد عليه في جهود تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.

