أضحت الحروب الحديثة لا تُدار في الميدان العسكري فحسب، بل في فضاء السرديات أيضًا؛ إذ تتشكل ملامح الصراع عبر الكاميرا والخبر العاجل والتقارير الرقمية بقدر ما تتحدد عبر المواجهة المسلحة. ومن ثمّ فإن ما يجري في غزة لا يقتصر على صدام عسكري، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بـ«الحرب على الرواية»، حيث تتنافس الأطراف المختلفة على صياغة القصة وتحديد مفرداتها وتأطير دلالاتها أمام الرأي العام الدولي.
يقوم الخطاب الإعلامي في النزاعات المسلحة على آليات انتقائية واضحة؛ أبرزها اختيار المصطلحات، وتحديد نقطة البداية الزمنية للأحداث، وإبراز صور معينة دون غيرها. فتوصيف الفعل العسكري بـ«الدفاع» أو «العدوان» يغيّر جذريًا فهم المتلقي لطبيعة الحدث، كما أن تقديم الضحايا في سياق إنساني أو أمني يعيد تشكيل الإطار الأخلاقي للصراع. دراسات تحليل الخطاب تشير إلى أن اللغة ليست أداة محايدة، بل وسيلة لإنتاج المعنى وبناء الشرعية السياسية.
في التغطية الدولية، يبرز تباين ملحوظ بين وسائل الإعلام الغربية والعربية. فشبكات مثل CNN وBBC تميل إلى اعتماد خطاب يركز على البعد الأمني الإسرائيلي في المراحل الأولى من التصعيد، مع استخدام مصطلحات مرتبطة بـ«الرد» و«التهديد». في المقابل، تمنح مؤسسات إعلامية عربية مثل الجزيرة مساحة أوسع للبعد الإنساني الفلسطيني، مركّزة على أعداد الضحايا المدنيين وتداعيات الحصار والدمار العمراني. هذا التباين لا يعكس اختلافًا مهنيًا فحسب، بل يعكس أيضًا سياقات سياسية وثقافية تحكم بيئة كل وسيلة إعلامية.
التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية تسهم في تشكيل رواية قانونية–إنسانية تستند إلى مفاهيم مثل «حماية المدنيين» و«القانون الدولي الإنساني». غير أن حضور هذه التقارير في الإعلام يخضع بدوره لانتقائية العرض والتحليل؛ إذ قد تُبرز بعض الوسائل الإشارات التي تدعم موقفًا سياسيًا معينًا، بينما تُهمِل جوانب أخرى. وهنا تتجلى إشكالية «التأطير الإعلامي» بوصفه عملية إعادة تنظيم للوقائع ضمن سردية متماسكة تخدم رؤية محددة.
وسائل التواصل الاجتماعي أضافت بعدًا جديدًا للحرب على الرواية. فالمحتوى المصوَّر الذي ينشره الأفراد مباشرة من الميدان يقلّص المسافة بين الحدث والمتلقي، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال أمام التضليل والتلاعب بالصور والمقاطع خارج سياقها. خوارزميات المنصات الرقمية تلعب دورًا في ترجيح روايات معينة عبر آلية الانتشار الواسع، ما يمنح بعض السرديات قوة مضاعفة مقارنة بغيرها. وهكذا لم تعد الدولة أو المؤسسة الإعلامية وحدها المنتج الحصري للرواية، بل أصبح الفرد فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الجمعي.
من منظور دراسات الإعلام، يمكن تحليل الخطاب حول غزة عبر ثلاثة مستويات: مستوى لغوي يتصل بالمفردات والعبارات المستخدمة، ومستوى بصري يرتبط بالصور واللقطات المنتقاة، ومستوى سياقي يتصل بالخلفيات التاريخية التي تُستحضر أو تُغيَّب. تغييب السياق التاريخي، على سبيل المثال، يؤدي إلى اختزال الصراع في لحظة آنية، بينما استحضاره يعيد ربط الحدث بسلسلة ممتدة من التفاعلات السياسية والعسكرية.
الحرب على الرواية لا تقل خطورة عن الحرب في الميدان، لأن نتائجها تمتد إلى تشكيل المواقف الدولية وصياغة السياسات الخارجية، بل وحتى التأثير في قرارات الدعم أو الإدانة داخل المحافل الدولية. ومن هنا، فإن الوعي النقدي لدى المتلقي يصبح ضرورة ملحّة، عبر مقارنة المصادر، وتحليل اللغة، وفهم الخلفيات السياسية للمؤسسات الإعلامية.
في المحصلة، يكشف الخطاب الإعلامي حول غزة عن صراع متعدد المستويات تتداخل فيه السياسة بالقانون بالإنسانية. وبينما تستمر المواجهة على الأرض، تظل المعركة على المعنى قائمة في الفضاء الإعلامي، حيث تتحدد صورة الضحية والفاعل، وتتبلور حدود التعاطف والشرعية في الوعي العالمي.

