شهدت السياسة الخارجية للصين تحولات عميقة منذ نهاية الحرب الباردة، انتقلت بها من التركيز على الداخل والتنمية الاقتصادية إلى الانخراط المتدرج في قضايا النظام الدولي. ورغم هذا التحول، حافظت بكين على مجموعة ثوابت تحكم سلوكها الخارجي، في مقدمتها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام السيادة، ودعم التعددية الدولية. في هذا السياق، يبرز موقفها من القضية الفلسطينية بوصفه جزءًا من رؤيتها الأوسع لإعادة تشكيل التوازنات الدولية وتعزيز حضورها في الشرق الأوسط.
تتبنى الصين خطابًا سياسيًا يؤكد دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني، وتأييدها لحل الدولتين استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية. وترى بكين أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها شرقي القدس يمثل الأساس الواقعي لتحقيق (السلام الدائم).
وقد كررت هذا الموقف في المحافل الدولية، لا سيما في اجتماعات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكدة ضرورة وقف التصعيد وحماية المدنيين واستئناف المفاوضات السياسية.
غير أن فهم الموقف الصيني يتطلب قراءته ضمن أبعاد استراتيجية أوسع.
فمن ناحية، تسعى بكين إلى ترسيخ صورتها كقوة مسؤولة تدعم القانون الدولي وتدافع عن قضايا الدول النامية، وهو ما يعزز نفوذها في العالم العربي والإسلامي. ومن ناحية أخرى، تحرص على عدم القطيعة مع إسرائيل، التي تربطها بها علاقات اقتصادية وتكنولوجية متقدمة. هذا التوازن يعكس طبيعة البراغماتية الصينية، إذ تجمع بين الخطاب السياسي المؤيد للفلسطينيين والانفتاح الاقتصادي على إسرائيل.
في الإطار النظري، يمكن تفسير السياسة الصينية تجاه فلسطين من خلال المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، حيث تعمل بكين على تعظيم مصالحها عبر توسيع شبكة شراكاتها في الشرق الأوسط، وتأمين احتياجاتها من الطاقة، وتعزيز حضورها ضمن مبادرة "الحزام والطريق". فالقضية الفلسطينية تمثل عنصرًا رمزيًا مهمًا في الرأي العام العربي، وإظهار الدعم لها يمنح الصين رصيدًا سياسيًا وأخلاقيًا في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تتجنب الانخراط العسكري المباشر أو الوساطة المنفردة عالية المخاطر، مفضّلة العمل عبر الأطر متعددة الأطراف.
كما تحاول الصين تقديم نفسها بديلًا دبلوماسيًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية في المنطقة. فبينما ارتبطت صورة الولايات المتحدة الأمريكية تاريخيًا بدعم قوي لإسرائيل، تسعى بكين إلى الظهور بمظهر الطرف المتوازن الذي يدعو إلى حوار شامل ويعارض الاستخدام المفرط للقوة. ومع ذلك، لا تزال قدرتها الفعلية على التأثير في مسار الصراع محدودة مقارنة بالدور الأمريكي، نظرًا لغياب أدوات ضغط مباشرة أو التزامات أمنية في المنطقة.
في السنوات الأخيرة، دعت الصين إلى عقد مؤتمر سلام دولي أوسع، وأكدت أهمية المصالحة الفلسطينية الداخلية، معتبرة أن الانقسام يضعف الموقف التفاوضي. كما دعمت المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، وشاركت في بيانات دولية تدعو إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين. ومع ذلك، لم ترتقِ مبادراتها إلى مستوى مبادرة سياسية شاملة قادرة على تغيير موازين القوى على الأرض.
يمكن القول إن موقف الصين من القضية الفلسطينية يجمع بين البعد المبدئي والبعد الاستراتيجي. فهي تؤكد دعمها لحق تقرير المصير، وفي الوقت نفسه توظف هذا الموقف لتعزيز مكانتها الدولية وتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط. وبين الخطاب الداعم والتحرك العملي المحدود، تظل السياسة الصينية محكومة بمنطق الحذر والبراغماتية، ساعية إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، مع تعزيز صورتها كقوة صاعدة تدعم نظامًا دوليًا أكثر تعددية.
في المحصلة، تمثل القضية الفلسطينية ساحة اختبار لقدرة الصين على ترجمة خطابها الدبلوماسي إلى دور سياسي مؤثر. وحتى الآن، تبدو بكين أقرب إلى دور الداعم الدبلوماسي المتوازن منها إلى دور الوسيط الحاسم، مع استمرار سعيها إلى ترسيخ حضورها كفاعل رئيسي في النظام الدولي المعاصر.

