أبو يوسف محقّق إسرائيلي مخضرم، يهودي عراقي، عنصريٌّ محتلّ، يحلو لهم أن ينتحلوا أسماءً عربية، فلا غرابة أن يدّعي أنّه أبو يوسف.
سيدي عمر هو الأسير المختطَف الشيخ محمد أبو طير، قضى في السجون قرابة خمسٍ وثلاثين سنة، وله مؤلَّف في تجربته الثريّة أسماه سيدي عمر، يضع بين يدي القارئ هذه التجربة بصورة جميلة ومشوّقة.
تمطّى على كرسيّه الدوّار، وأمامه الشيخ بمهابته الجليلة على كرسيٍّ خشبي، يداه موثّقتان بالكرسي من الخلف، والكرسي مثبّت في الأرض.
مسنّان بلغا من العمر عتيًّا: محقّق ومحقَّق معه. واحدٌ اشتعل رأسه شيبًا ومكرًا وخبثًا، والثاني اشتعلت لحيته مع رأسه شيبًا، وتقطّعت تضاريس وجهه صبرًا وشكيمةً وعزّةً وشموخًا وكبرياء.
نعق أبو يوسف:
– تذكّر يا شيخ أوّل مرّة حقّقتُ معك.
ردّ الشيخ:
– ومن ينسى؟ كنتَ شابًّا قاسيًا عنيفًا.
– اليوم أنا متقاعد، أعيش حياةً سعيدةً مستقرّة، فقط آتيهم مستشارًا للحالات الصعبة أمثالك. الحمد لله لا ينقصني شيء. أنت ما زلتَ تتردّد على السجون، لا تريد أن تضع عقلك في رأسك وتفكّر بطريقة واقعية.
– وأنت لا تريد أن تضع عقلك في رأسك، وأن تتحرّر من كونك محتلًّا تسكن في مساكن من اغتصبتم ديارهم وأملاكهم. أذكر أنّك قلت لي إنك تسكن في صفد؛ هذه مدينة فلسطينية، كما تعلم أكثر من غيرك.
فكّ يديه من خلف رأسه، ودفع بجسده إلى الأمام:
– أوه، قلتُ لك في حينها: «اللي فات مات، عِش حياتك اليوم». يا الله! أنت عايش في الماضي، نحن أولاد اليوم. قبل ثلاثين سنة قلتُ لك: ماذا جنت لكم الانتفاضة؟ كنتم تعملون في ورشاتنا ومصانعنا ومزارعنا، تقبضون المال فتعمّرون حياتكم، تبنون وتخلّفون وتقيمون الأعراس لأبنائكم. رفصتم النعمة، وعملتم انتفاضة، واستبدلتم حياة النعيم بالسجون والحواجز وحرمانكم من العمل عندنا.
– وقلتُ لك في حينها، أتذكُر؟ هل تقبل ما تعرضه علينا؟ لو جاءت دولة أقوى منكم واحتلّت البلاد والعباد، ثم طرحت عليكم ما تطرحه عليّ: أن تعملوا عندهم بلا دولة ولا سيادة ولا علم ولا وطن…
– أنت يا شيخ عقلك حجر، لا تغيّر ولا تبدّل.
– علينا نحن أن…
قاطعه، رافعًا صوته بنبرة قاسية:
– لا تقاطعني! قل لي: ماذا فعل لكم المخرّبون اليوم؟ هل تحسّنت أحوالكم وتضاعفت أرزاقكم؟ مزيد من القتل والدمار. انظر إلى قطاع غزّة كيف أصبح جسدًا ميتًا لا حياة فيه.
– ومن فعل هذا؟
– نحن، ولكن بسبب المذبحة التي فعلتها القسّام.
– سنة ثمانيةٍ وأربعين، عندما طردتمونا من ديارنا شرّ طردة، وقمتم بالمجازر والإبادة و…
– ألم تملّ من هذه الأسطوانة؟ سمعتُها منك قبل أربعين سنة.
– تطهيرٌ عرقيٌّ لشعبٍ كامل صار أسطوانة؟ هل تملّون أنتم من الحديث عن الهولوكوست، وما فعلته النازية بكم؟
– وهل تقارن هذه بتلك، أيها النازي؟
– العالم كلّه الآن يقارن هذه بتلك. لقد ملّ العالم من صورة الضحية التي تتقمّصونها، وهم يرون ما تفعلون في قطاع غزّة.
زعق متأفّفًا:
– هذا لا يهمّنا. الذي يحكم العالم اليوم هو القوّة. كن موضوعيًّا وعاقلًا. أنتم تسيرون من سيّئ إلى أسوأ. آن لكم أن تتعقّلوا، وأن تعيشوا معنا بأمان وسلام.
– كيف؟ سلكنا معكم طريق أوسلو، وقدّمنا لكم ثمانيةً وسبعين بالمائة من فلسطين على طبقٍ من ذهب. ثلاثون سنة تضاعف فيها الاستيطان في الضفّة أربعة أضعاف، وحاصرتم قطاع غزّة حصارًا خانقًا.
هتف بعمق، وكأنّه يستخرج الحكمة من صميم قلبه:
– لا تُكمِل يا شيخ. أوسلو مسار فاشل. من الخطأ الفادح أن نقدّم لكم ما يؤهّلكم للسابع من أكتوبر. أنتم شعب يكره اليهود، وإذا ملكتم قوّةً قضيتم علينا. يسكن في داخلكم: إمّا نحن أو أنتم. يكفيكم أن نفتح لكم العمل عندنا، وأن نفتح لكم سبل العيش بسلام. الضفّة الغربية ليست لكم؛ هي يهودا والسامرة التي قامت عليها مملكة يهود من قديم الزمان.
– أنت قلتَ عندما ذكّرتُك بالنكبة: «اللي فات مات». ما بالك ترجع في التاريخ إلى ثلاثة آلاف عام؟
– يا شيخ، أنت من يومك موجّع رأسك. قلتُ لك: كن واقعيًّا، وانظر في موازين القوى. نحن دولة قويّة، وأمريكا أقوى دولة في العالم معنا، والغرب كلّه معنا. أنتم الفلسطينيين من معكم؟ العرب؟ صاروا معنا. لم يبقَ معكم أحد. حزب الله وإيران دمّرناهم لمائة سنة لقدّام. فكّر بموضوعية ومنطق.
– منطق القوّة والهيمنة. منطق الاحتلال. منطق الظلم والتوحّش والطغيان.
هبّ واقفًا عن مقعده، وكأنّ عقربًا لسعته، وعقد حاجبيه مُخرجًا صورته الأبشع، ونعق:
– اسمع! أنا أدرك أنّ النقاش معك عبث. إذا كلّ هذا الدمار الذي أصاب غزّة لم يقنعك، هل تقنعك مقولتي؟ اسمع جيّدًا: كانت هذه الفرصة الأخيرة لك، احترامًا لتاريخك الطويل في سجوننا. اليوم سينقلونك إلى سجن «ريكيفت». وما أدراك ما «ريكيفت»؟ إنّه الجحيم يا شيخ.
سينسيك حبساتك القديمة.
كم قضيتَ في السجون؟ خمسًا وثلاثين سنة؟ هذه لا تعدل يومًا واحدًا في سجون هذه الأيام. سأتركك في صحبة بن غفير يا شيخ. أمّا أنا فعلى موعد اليوم مع رحلةٍ مع أحفادي الأعزّاء. الطقس جميل، وربوع وطننا تغدق علينا من سحر جمالها كثيرًا.
تمتم الشيخ هامسًا:
– ﴿لا يغرنّك تقلّبُ الذين كفروا في البلاد، متاعٌ قليل، ثمّ مأواهم إلى جهنّم وبئس المهاد﴾.
– ماذا قلت؟
– قلتُ آيةً من القرآن: ﴿إنّه لا يفلح الظالمون﴾.
هزّ رأسه، وانصرف، وصفق الباب بقوّة.

