فلسطين أون لاين

غزة :صرخة الكرامة الإنسانية بين معاناة الشتاء وجرائم الاحتلال

في أرض فلسطين المقدسة، حيث تاريخ البشرية ينبض بأنبل معاني الحرية والصمود، يواجه شعب غزة اليوم كارثة إنسانية تفوق الوصف، تجمع بين قسوة الطبيعة ووحشية الاحتلال. إنها ليست مجرد أزمة عابرة، بل إبادة بطيئة تتحدى كل مبادئ العدالة الإنسانية والقانون الدولي، تذكرنا بتلك اللحظات التاريخية التي انحنى فيها الضمير العالمي أمام الظلم، ثم انتفض ليسترد كرامته. غزة اليوم، بأهلها الصابرين، تُمثل الاختبار الأخلاقي الأعظم للإنسانية المعاصرة: هل سنسمح للاحتلال الإسرائيلي بمواصلة مماطلته وخروقاته للاتفاقات، أم سنضغط جماعياً لإنقاذ أرواح بريئة وتوفير إيواء كريم يليق بكرامة الإنسان؟

يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع تحت وطأة شتاء قارس يتزامن مع حصار خانق. العواصف الشتوية الأخيرة، كما وثقت تقارير الأمم المتحدة (OCHA وUNRWA في يناير 2026)، دمرت مئات الخيام واقتلعت آلافها، مُغرقةً مخيمات النازحين في فيضانات تهدد حياة 800 ألف شخص في مناطق عرضة للغرق. توفي أطفال من البرد داخل تلك الأكواخ الهشة، بينما ينهار النظام الصحي تحت نقص الأدوية والوقود، ويحتاج آلاف المرضى إلى إجلاء عاجل. أما الجوع، فهو الرفيق الدائم: مخزون الطحين ينفد، والمساعدات الغذائية تُقيد بنسبة لا تتجاوز 43% مما تم الاتفاق عليه، في انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار.

وفي السياق السياسي، أعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة إنهاء الصراع، التي تتضمن تشكيل حكومة تكنوقراطية انتقالية، إعادة إعمار، ونزع سلاح الفصائل. لكن هذه المرحلة، التي يُفترض أن تكون خطوة نحو السلام، تواجه خروقات إسرائيلية مستمرة: قصف مدفعي، نسف منازل، وتقييد دخول المساعدات والمواد الإنشائية مثل الكرفانات والخيام المقاومة للشتاء. إسرائيل تُماطل في تنفيذ الالتزامات، بل وتفرض حظراً على عشرات المنظمات الإنسانية الدولية، مما يُفاقم الإرهاب اليومي ضد المدنيين ويُعرض مكاسب وقف النار الهشة للانهيار.

هنا يبرز التحدي الأخلاقي والسياسي: حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كما يُكرسه ميثاق الأمم المتحدة، لا يمكن أن يُفرض عليه استمرار وقف ادخال ادوات ايواء كريم كالكرفانات دون رفع الاحتلال وإنهاء الحصار. إن ايواء الفلسطينيين ليس إرهاباً، بل حق مشروع عن الكرامة والأرض، في مواجهة استعمار استيطاني ينتهك كل القيم الإنسانية. فلسفياً، كما علمنا فلاسفة الحرية من جان جاك روسو إلى فرانز فانون، لا حرية بدون مقاومة الظلم، ولا كرامة بدون عدالة.

يجب على المجتمع الدولي والوسطاء أن يمارسوا ضغطاً حاسماً لوقف هذه المماطلة الإسرائيلية، وإجبارها على احترام الاتفاقات، وإدخال فوري للمواد الإيوائية والمساعدات دون قيد. فالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في بيانه يناير 2026، أعرب عن "قلق عميق" من حظر المنظمات غير الحكومية، محذراً من أنه "يهدد المكاسب الهشة لوقف النار ويُعرض حياة ملايين للخطر"، داعياً إلى عكس القرار فوراً. كما حذر المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني من أن "التقييدات الإسرائيلية تُكثف الأزمة الإنسانية وتعيق عمل المنظمات"، مطالباً بتدفق المساعدات غير المعوق. ومنظمة الصحة العالمية، عبر مديرها تيدروس أدهانوم، تُكرر الدعوة لإجلاء المرضى وتوفير الرعاية، محذرة من انهيار صحي كامل.

إن صمت العالم أمام هذه المأساة خيانة لمبادئ حقوق الإنسان. يجب أن ينتفض الضمير الجماعي، كما انتفض في مواجهة الاستعمار القديم، ليُنقذ أرواح أهل غزة ويُعيد لهم حقهم في حياة كريمة. غزة ليست مجرد أرض محاصرة، بل رمز للصمود الإنساني، وانتصارها انتصار للعدالة العالمية كلها.

المصدر / فلسطين أون لاين