فلسطين أون لاين

تقرير حين يصبح الدِّفء رفاهيةً … شتاء قاس في مخيَّمات غزَّة

...
صورة من الأرشيف
غزة/ مريم الشوبكي:

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يواجه مئات الآلاف من النازحين في قطاع غزة شتاءً لا يرحم، داخل خيام هشة لا تقي من البرد القارس.

انقطاع الكهرباء الكامل، وشحّ الوقود والغاز، وغياب وسائل التدفئة الآمنة، حوّلت ليالي الشتاء إلى معاناة يومية تهدد حياة الأطفال والرضّع وكبار السن على وجه الخصوص، وقد تحولت هذه المعاناة إلى مأساة حقيقية مع تسجيل وفيات متكررة بين الرضّع من جراء انخفاض حرارة الجسم.

مع غروب الشمس، تنخفض درجات الحرارة بشدة داخل المخيمات المنتشرة في جنوب ووسط القطاع. تتسلل الرياح الباردة من فتحات الخيام المصنوعة من القماش والبلاستيك الرقيق، فلا حماية حقيقية ولا بدائل.

تكتفي العائلات بأغطية محدودة، غالبًا ما تكون رطبة أو مهترئة، لمواجهة برد يشتد ليلًا ويصبح لا يُطاق، ما أدى إلى وفيات مأساوية بين الأطفال حديثي الولادة والرضّع.

تقول أم خالد الحداد، نازحة من مدينة غزة وتقيم في خيمة غرب دير البلح: «حين يحلّ الليل يبدأ العذاب الحقيقي. أطفالي يرتجفون من البرد، والخيمة لا تحمينا، ولا كهرباء ولا وسيلة تدفئة».

thumbs_b_c_1fb2ce95f26656a93ef5f8f94719df43.jpg-bddeffe9-b0e9-43ba-9ee0-0059bf1617ba.jpg
انقطاع الكهرباء

منذ بداية الحرب، انقطع التيار الكهربائي بالكامل عن القطاع، ما أفقد السكان أي وسيلة تدفئة كانت متاحة سابقًا. ومع ندرة الوقود والغاز، خرجت المدافئ عن الخدمة تمامًا. يقول أبو علاء المصري، نازح من شمال القطاع: «لا كهرباء منذ أكثر من عامين، ولا وقود، ولا غاز حتى للإنارة. نقضي الليل في ظلام وبرد، نراقب الأطفال خوفًا عليهم».

في ظل هذا الواقع، أصبح الفحم الوسيلة الوحيدة المتاحة، إلا أن أسعاره المرتفعة جعلته بعيدًا عن متناول معظم العائلات النازحة التي فقدت مصادر رزقها.

توضح أم محمد عايش، نازحة في شارع الوحدة: «كيس الفحم أصبح غاليًا جدًا. نشتري القليل ونستخدمه لساعات محدودة، ثم نطفئه خوفًا من الاختناق أو احتراق الخيمة».

وتروي عايش حادثة مروعة وقعت خلال منخفض جوي سابق: «أحد أقاربي حاول تدفئة أطفاله بإشعال الفحم داخل الخيمة حتى تحول إلى جمر. مع الفجر شعر بدوار شديد، وكانت زوجته في حالة إعياء، ونُقلا إلى المستشفى، وعناية الله نجّتهما».

ومع ندرة الوقود، تلجأ العائلات إلى وسائل بدائية وخطرة، مثل حرق الأخشاب أو البلاستيك والكرتون داخل الخيام أو قربها، ما يزيد من مخاطر الاختناق والحروق والأمراض التنفسية، خاصة بين الأطفال والرضّع. ويشير تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن غياب الغاز ووسائل التدفئة، إلى جانب القيود على إدخال المعدات، دفع الأسر إلى ممارسات غير آمنة للبقاء دافئة، وأسفر عن وفيات متكررة.

يقول أمجد أبو عاصي، نازح من حي الزيتون: «ابنتي الرضيعة تمرض باستمرار. الخيمة باردة جدًا، ولا وسيلة لتدفئتها. أحاول إشعال البلاستيك والكرتون خارجًا قليلًا، لكنني أخاف من الاختناق أو الحريق. في غزة نقع بين نارين: البرد والاختناق».

تحذيرات المنظمات

أطلقت منظمات حقوقية، مثل مركز غزة لحقوق الإنسان، نداءات عاجلة لتوفير لوازم الإيواء، والملابس الشتوية، والأغطية، ومستلزمات التدفئة. كما أصدرت وكالات أممية مشتركة (OCHA، وUNICEF، وWHO، وWFP، وUNRWA) بيانات تحذر من أن نقص الوقود بلغ مستويات حرجة، مهددًا الخدمات الأساسية، ومعرّضًا 2.1 مليون شخص لظروف شبه منعدمة للحياة.

وأكدت اليونيسف في يناير/كانون الثاني 2025 وفاة ثمانية رضّع منذ 26 ديسمبر/كانون الأول 2024 بسبب انخفاض حرارة الجسم خلال أقل من ثلاثة أسابيع، فيما سجلت تقارير أخرى ارتفاع العدد إلى سبعة أطفال رضّع على الأقل، بحسب المنظمة الدولية للهجرة ووكالة الأونروا، مع استمرار تسجيل وفيات خلال ديسمبر 2025 ويناير 2026، بما في ذلك وفاة رضيع يبلغ سبعة أيام في دير البلح بتاريخ 10 يناير 2026.

وحذرت الأونروا من تفاقم الكارثة مع العواصف الشتوية، مشيرة إلى أن الأسر النازحة تواجه «ظروفًا مأساوية» في ظل نقص حاد في مواد حماية الخيام من الأمطار والبرد. وأفادت تقارير بوفاة ثلاثة أطفال في ديسمبر 2025 بسبب البرد، من بينهم رضيع يبلغ شهرين.

نصائح طبية

في ظل هذه الظروف القاسية، يقدم استشاري طب الأسرة في غزة، الدكتور بسام أبو ناصر، نصائح عملية ومباشرة للأمهات للحفاظ على دفء أطفالهن الرضّع بأبسط الوسائل المتاحة.

يقول الدكتور أبو ناصر لـ«فلسطين»: «أنصح الأمهات بإلباس الطفل طبقات متعددة من الملابس، حتى لو كانت قديمة أو رقيقة، فالطبقات تحبس الحرارة بشكل أفضل. ويمكن استخدام بقايا الأقمشة أو الأوشحة لصنع قفازات وجوارب تغطي اليدين والقدمين والرأس جيدًا، لأن الطفل يفقد الحرارة بسرعة من أطرافه».

ويتابع محذرًا: «حاولوا عزل الخيمة قدر الإمكان؛ ضعوا أكياس الرمل أو التراب حول قاعدتها لمنع دخول الهواء البارد، واستخدموا الكرتون أو أكياس الطحين والأرز، أو حتى البلاستيك، كطبقة عازلة تحت الفرش وعلى الجدران والسقف لتقليل تسرب البرد».

ويضيف: «استمروا في الرضاعة الطبيعية قدر الإمكان، فهي لا تغذي الطفل فحسب، بل تساعد أيضًا في رفع درجة حرارته من الداخل. وتأكدوا دائمًا من أن ملابس الطفل وأغطيته جافة تمامًا، لأن البلل يجعل البرد أشد قسوة ويزيد خطر الإصابة بالأمراض».

ويحذر قائلًا: «إذا توفر ماء ساخن، ضعوه في زجاجات أو أوانٍ معدنية مغلقة جيدًا كوسيلة تدفئة آمنة نسبيًا داخل الملابس أو تحت الأغطية، مع الحذر الشديد من الحروق أو أي خطر حريق. وتبادلوا الموارد مع العائلات المجاورة، وشاركوا الملابس أو البطانيات، فالتعاون يخفف العبء».

5983196323496266520 (1).jpg
 

ويختم الدكتور أبو ناصر نصيحته بالقول: «عند ملاحظة علامات انخفاض حرارة الجسم، مثل الرجفان الشديد أو برودة الأطراف أو النعاس غير الطبيعي، يجب تغطية الطفل بطبقات إضافية ونقله فورًا إلى أقرب نقطة طبية، مع محاولة التدفئة التدريجية».

ويصف أطباء في غزة هذه المعاناة بأنها «تهديد مباشر للحياة»، خاصة مع تأخر وصول المساعدات الشتوية والخيام المعزولة، حيث أصبح البرد يفتك بالرضّع بشكل متكرر.

وسط هذه الكارثة الإنسانية، تتعالى أصوات النازحين مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لتوفير وسائل تدفئة آمنة، وإدخال الوقود، وتحسين ظروف الإيواء، وإحضار الكرفانات قبل أن يتحول الشتاء إلى مأساة أكبر.

ويختصر أبو حسن قديح، نازح في مواصي خان يونس، الألم بقوله: «نجونا من القصف، لكننا نواجه الموت البطيء من البرد. نحتاج الدفء كما نحتاج الطعام والماء».

image-1765811437.webp
 

المصدر / فلسطين أون لاين