يعيش سكان قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 في ظلام شبه كامل، بعد تدمير محطة توليد الكهرباء الوحيدة وتعطل خطوط التغذية، ما أدى إلى انهيار المنظومة الرسمية للطاقة وانقطاع التيار بصورة تامة. ومع غياب أي مصدر منتظم للكهرباء، تحولت الأزمة من خلل خدمي إلى معاناة يومية تمس تفاصيل الحياة الأساسية، من الإضاءة وشحن الهواتف إلى تشغيل مضخات المياه وحفظ الطعام والأدوية.
في هذا الواقع، برزت المولدات الخاصة خيارا اضطراريا لا بديل عنه، إذ اضطر آلاف السكان للاشتراك بخطوط كهرباء توفرها شركات وأفراد مقابل رسوم مرتفعة وخدمة متذبذبة، لتغدو الكهرباء سلعة تُشترى بالقدرة المالية، لا حقاً متاحاً للجميع.
ووفق تقديرات شركة توزيع كهرباء غزة، خسر القطاع نحو 2.1 مليار كيلوواط/ساعة من الطاقة منذ توقف مصادر التغذية، فيما تجاوزت الخسائر الأولية في البنية التحتية 728 مليون دولار. وشمل الدمار أكثر من 70% من شبكات الكهرباء، ونحو 80% من الآليات والمركبات الفنية، وقرابة 90% من المخازن والمعدات، إضافة إلى أضرار جسيمة في المباني والمقار التشغيلية، ما تسبب بشلل شبه كامل في قدرة الجهات المختصة على إصلاح الأعطال أو إعادة تشغيل الشبكات.
ولا تعكس هذه الأرقام خسائر مادية فحسب، بل تشير إلى انهيار منظومة الطاقة الرسمية التي كانت تغذي المنازل والمرافق الحيوية، ما يجعل عودة التيار عبر القنوات التقليدية أمراً بالغ التعقيد في المدى القريب، ويفرض الاعتماد على بدائل طارئة نشأت في ظل الحرب والانهيار الشامل للبنية التحتية.
وأقرت شرطة الطاقة مؤخراً إجراءات لتنظيم عمل المولدات الكهربائية وتخفيف الأعباء عن المواطنين، شملت خفض رسوم الاشتراك بمقدار 50 شيقلاً بعد أن كانت تبلغ 180 شيقلاً، وربط سعر الكيلوواط بسعر السولار في السوق ليتغير تلقائياً وفق تكلفة الوقود، بهدف الحد من الاستغلال. كما جرى الاتفاق على تزويد المساجد بالكهرباء خلال شهر رمضان، خاصة في أوقات الإفطار والسحور، إلى جانب إنارة بعض الشوارع والمفترقات والمساهمة في تشغيل آبار المياه، مع تأكيد استمرار المتابعة الميدانية لضمان الالتزام.
عبء مالي
في حي النصر غرب مدينة غزة، تحولت الكهرباء بالنسبة لمصطفى الحاج، وهو أب لخمسة أفراد، إلى عبء مالي دائم في ظل انعدام الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة. يعتمد الحاج منذ أشهر على خط كهرباء من أحد المولدات الخاصة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته.
يقول: “لم نعد نتحدث عن تشغيل ثلاجة أو غسالة، كل ما نريده ضوء في الليل وشحن الهواتف لنطمئن على أقاربنا”. ويدفع نحو 20 شيقلاً للكيلوواط الواحد، فيما تتراوح فاتورته الشهرية بين 250 و300 شيقل، رغم أن استهلاكه يقتصر على الإضاءة وشحن هاتفين وتشغيل مروحة صغيرة.
ويضيف: “أدفع هذا المبلغ كي لا يعيش أطفالي في الظلام. الكهرباء أصبحت مثل الطعام… لا يمكن الاستغناء عنها مهما كان الثمن”. ويشير إلى أنه اضطر أحياناً للاستدانة لتسديد الاشتراك، في ظل توقف دخله منذ بداية الحرب.
فوضى الأسعار وغياب العدالة
في حي المشتل غرب غزة، يشتكي عبد الكريم اشتيوي من “فوضى الأسعار وغياب العدالة” في خدمات المولدات، موضحاً أن شركة واحدة تتحكم بالخدمة داخل الحي دون بدائل حقيقية.
يقول: “الكهرباء هنا ليست خدمة بل نفوذ. من يملك المولد يملك القرار”. ويدفع 20 شيقلاً للكيلوواط، مشيراً إلى أن الانقطاعات المفاجئة والمتكررة أتلفت أجهزة عدة، في ظل غياب جهة رقابية يمكن اللجوء إليها لتقديم شكوى.
من جهته، يؤكد عماد الخالدي، صاحب شركة لمولدات الطاقة غرب غزة، أن المولدات الخاصة أصبحت “شرياناً حيوياً” في ظل الانقطاع الكامل للتيار، مشيراً إلى أن العمل يجري في ظروف صعبة مع شح الوقود وارتفاع تكلفته، خاصة “السولار الصناعي” الأقل كفاءة والأعلى كلفة تشغيلية.
ويضيف أن الأعطال المتكررة وندرة قطع الغيار تزيد من التحديات، مؤكداً أن التكلفة التشغيلية مرتفعة جداً مقارنة بما يعتقده المواطنون.
بدوره، يوضح محمد ثابت، مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع كهرباء غزة، أن الشركة لا تملك مولدات مماثلة لتلك التي يشغلها القطاع الخاص، لكنها قدمت ضمن خطط التعافي المبكر مقترحات لتوفير مولدات متنقلة لإنارة مراكز الإيواء وتشغيل آبار المياه.
ويشدد ثابت على أن تنظيم قطاع المولدات وتسعير خدماته يقع ضمن صلاحيات سلطة الطاقة الفلسطينية، مؤكداً أن الكهرباء حق أساسي من حقوق الإنسان، لأن “وجود الكهرباء يعني وجود المياه والصحة والتعليم والخدمات… وبدونها يتوقف كل شيء”.

