فلسطين أون لاين

حين يضيق المكان وتتسع الجراح.. الاكتظاظ وفقدان الخصوصية كعامل مضاعِف للصدمة في غزة

في غزة، لم يعد السؤال عن الصدمة وحدها، بل عن البيئة التي تُجبَر الصدمة على العيش فيها..

فحين يفقد الإنسان منزله، أو يضطر إلى مشاركة مساحة محدودة للغاية مع عدد كبير من الأفراد، لا يفقد الجدران فقط، بل يفقد “الملاذ الآمن” الذي يحتضن حزنه، ويستوعب خوفه، ويمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.

العيش في مساحات ضيقة ومكتظة لا يمثل مجرد تحدٍّ لوجستي، بل هو ضغط نفسي دائم؛ فالعقل البشري يحتاج إلى قدر من الخصوصية كي يعيد تنظيم ذاته، ويُعالج انفعالاته، ويستعيد توازنه.

وحين تغيب هذه المساحة، يصبح التوتر حالة مستمرة، ويغدو القلق رفيقًا يوميًا.

 الاكتظاظ: ضغط بلا فاصل

في البيئات المكتظة، يتعرض الأفراد إلى احتكاك دائم دون فواصل زمنية أو مكانية؛ لا مجال للعزلة المؤقتة، ولا فرصة للهدوء، ولا مساحة للبكاء بصمت.

ومع تكرار الصدمات، كما هو الحال في غزة، يتراكم الضغط النفسي دون أن يجد منفذًا آمنًا للتفريغ.

ينعكس ذلك في ارتفاع مستويات العصبية، سرعة الانفعال، اضطرابات النوم، والإحساس المزمن بالإرهاق.

وتزداد النزاعات داخل الأسرة ليس بالضرورة بسبب خلافات جوهرية، بل بسبب غياب المسافة الصحية التي تسمح بإعادة التوازن الانفعالي.

 الأطفال في مساحة لا تتسع لطفولتهم

الطفل بطبيعته يحتاج إلى مساحة للعب، للتجريب، للخطأ، وللتعبير الحر. حين تُختزل حياته في زاوية ضيقة مزدحمة، تتقلص معه مساحات الطفولة.

 تظهر الاضطرابات السلوكية بوضوح:

- زيادة العدوانية أو نوبات الغضب.

- تراجع القدرة على التركيز.

- اضطرابات النوم والتبول اللاإرادي.

- الانسحاب الاجتماعي أو التعلق المفرط بالوالدين.

الاكتظاظ لا يسلب الطفل خصوصيته فحسب، بل يهدد إحساسه بالسيطرة على بيئته، وهو عنصر جوهري في بناء الثقة بالنفس وتكوين الهوية.

 فقدان الملاذ الآمن: حين لا يجد الحزن مكانًا

في علم النفس، يُعد “الملاذ الآمن” شرطًا أساسيًا للتعافي من الصدمة.

هو المكان الذي يشعر فيه الفرد بأنه محمي، غير مُراقَب، وغير مُهدَّد.

لكن حين تُفقد المنازل، أو تتحول إلى مساحات مكتظة تفتقر للحد الأدنى من الخصوصية، يفقد الإنسان هذا الملاذ.

هنا تتعقد عملية معالجة الحزن.

لا يستطيع الفرد أن يبكي بحرية، أو أن ينسحب قليلًا ليعيد ترتيب مشاعره.

وبدل أن تمر الصدمة بمراحلها الطبيعية، تبقى عالقة، تتجدد مع كل ضجيج، ومع كل احتكاك، ومع كل تذكير بفقدان المساحة والأمان.

في مثل هذا السياق، تتضاعف احتمالات ظهور أعراض القلق المزمن، واضطراب ما بعد الصدمة، والشعور المستمر بعدم الأمان، حتى في غياب القصف أو التهديد المباشر.

 المراهقون: هوية تحت الضغط

المراهقة مرحلة بحث عن الذات. لكن كيف تتشكل الهوية في بيئة لا تمنح مساحة للتفرد؟

حين يعيش المراهق في اكتظاظ دائم، يصعب عليه بناء حدوده النفسية.

قد تتضخم لديه مشاعر الغضب والتمرد، أو ينكفئ إلى انسحاب صامت.

وقد تتأثر قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة، أو التعبير عن آرائه بحرية، خوفًا من الاحتكاك أو الصدام.

على المدى الطويل، قد ينعكس ذلك في هشاشة تقدير الذات، أو صعوبة إقامة علاقات متوازنة في المستقبل.

 آليات التكيف: صمود لا يلغي الحاجة

رغم كل ذلك، يُظهر المجتمع في غزة قدرة لافتة على التكيف.

تلجأ الأسر إلى تقسيم المساحات بستائر بسيطة، أو تحديد أوقات هدوء للأطفال، أو خلق روتين يومي يمنح إحساسًا نسبيًا بالاستقرار.

ينخرط البعض في العمل المجتمعي أو الأنشطة التطوعية كوسيلة لإعادة الشعور بالقيمة والسيطرة.

لكن هذه الآليات، رغم أهميتها، تظل حلولًا مؤقتة أمام ضغط مزمن ومتكرر. الصمود ليس بديلًا عن الحاجة إلى بيئة إنسانية تحترم الكرامة والخصوصية.

 ماذا يمكن فعله؟

في ظل محدودية الموارد، يمكن التركيز على:

- إنشاء مساحات آمنة صغيرة داخل مراكز الإيواء، مخصصة للأطفال للعب المنظم والتفريغ الانفعالي.

- تقديم دعم نفسي جماعي يعزز مهارات التأقلم وتنظيم الانفعال.

- تدريب الأهالي على استراتيجيات بسيطة لإدارة التوتر داخل المساحات المكتظة.

- دمج أنشطة فنية وتعبيرية تتيح للأطفال والمراهقين التعبير عن مشاعرهم بطريقة آمنة.

أما على المستوى الدولي، فالمطلوب ليس فقط توفير مأوى، بل توفير مأوى إنساني يحترم الحد الأدنى من الخصوصية، ويدعم خدمات الصحة النفسية، ويعترف بأن الكرامة النفسية جزء لا يتجزأ من الإغاثة.

 في الختام

المشكلة في غزة ليست في ضيق المكان فحسب، بل في أن هذا الضيق يأتي مترافقًا مع صدمة، وخسارة، وقلق دائم. حين يضيق المكان، تتسع الجراح إن لم نجد لها مساحة للالتئام.

والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: كيف نمنح الإنسان مساحة للشفاء، في واقع بالكاد يمنحه مساحة للعيش؟

المصدر / فلسطين أون لاين