في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الضفة الغربية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، تتكشف ملامح مخطط إسرائيلي واسع يهدف إلى حسم السيطرة على الضفة تدريجياً، بعيداً عن الضجيج العسكري الذي يطغى على المشهد في قطاع غزة.
هذا المخطط لا يقوم على الاجتياح الشامل أو الإبادة المباشرة، بقدر ما يعتمد على سياسات "ناعمة" ومتراكمة تقود في محصلتها النهائية إلى نتيجة واحدة: تهويد الضفة الغربية ووضعها بالكامل تحت السيادة الإسرائيلية، وسط صمت رسمي من السلطة في رام الله يثير تساؤلات عميقة.
وكشفت وسائل إعلام عبرية، عن أن الاحتلال يستعد لسن نسخة جديدة من مشروع قانون يهدف إلى توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على الآثار والمواقع التراثية في الضفة الغربية، وإدراج المنطقتين (أ) و (ب)- الواقعتين تحت سيطرة السلطة إدارياً- ضمن نطاق تطبيقه.
وبموجب اتفاقيات أوسلو، من المفترض أن يقتصر تدخل الاحتلال في آثار الضفة على المنطقة (ج)، والتي تشكل نحو نسبة 60% من مساحة الضفة الغربية حيث تحتفظ بالسيطرة المدنية والعسكرية، بينما تخضع المنطقتان (أ) و(ب) للسيطرة المدنية للسلطة.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس د. رائد نعيرات أن ما يجري في الضفة لا يختلف جوهرياً عما يحدث في غزة، باستثناء حجم الإبادة الجماعية.
فالاحتلال، وفق قراءة نعيرات، ينفذ أربع سياسات متوازية: أولها التوسع الاستيطاني عبر بناء مستوطنات جديدة وشرعنة البؤر الاستيطانية، بما في ذلك الاستيطان الرعوي الذي يلتهم مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية. ثانيها سياسة الضم والمصادرة، سواء من خلال إعلان "أراضي دولة" أو السيطرة على المواقع الأثرية والتراثية، في محاولة لإعادة صياغة الرواية التاريخية والجغرافية للضفة.
أما السياسة الثالثة، فتتمثل في التواجد اللحظي والدائم لجيش الاحتلال داخل المدن الفلسطينية، حتى تلك المصنفة (أ) وفق اتفاق أوسلو، ما يفقد هذه التصنيفات أي معنى عملي. في حين تتمثل السياسة الرابعة في الضغط الاقتصادي، عبر منع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وتقطيع أوصال المدن، وقرصنة أموال المقاصة، بما يخلق بيئة طاردة للفلسطينيين.
في هذا السياق، يرى نعيرات في حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، أن السلطة لا تمتلك دوراً حقيقياً، بل تكتفي باستراتيجية "التكيف مع الواقع" الذي يفرضه الاحتلال. فالسلطة، بحسبه، محاصَرة بسلسلة من الالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية، تجعل قدرتها على المبادرة شبه معدومة.
ويوضح أن هذا الوضع يخلق حالة من الإرباك لدى المواطن الفلسطيني، الذي بات يتساءل عن معنى وجود سلطة تدير الشأن اليومي جزئياً، فيما يتحكم الاحتلال فعلياً بكل مفاصل الحياة.
ويطرح نعيرات ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل السلطة: إما إلغاؤها بالكامل، أو تحولها إلى صيغة سلطوية محلية تديرها المحافظات، أو بقاء الوضع الراهن بكل تناقضاته.
ضم فعلي
من جهته، يذهب المحلل السياسي سامر عنبتاوي إلى أن الاحتلال ينفذ مشروع ضم فعلي للضفة الغربية، تسارع بشكل لافت بعد العدوان على غزة.
فالتصريحات الإسرائيلية، وعلى رأسها تصريحات رئيس حكومة الاحتلال المتطرفة بنيامين نتنياهو، تعكس رؤية تقوم على "التعايش" القسري، حيث يتجول المستوطنون بين التجمعات الفلسطينية ضمن سيطرة سياسية واقتصادية إسرائيلية كاملة، وفق ما يقول عنبتاوي لـ"فلسطين أون لاين".
هذا "التعايش"، كما يصفه عنبتاوي، ليس سوى تبعية مفروضة تهدف إلى تضييق الحياة على الفلسطينيين ودفعهم للهجرة.
ويحذر عنبتاوي من أن المعطيات الإقليمية والدولية الحالية تُشجع الحركة الصهيونية على اعتبار هذه المرحلة فرصة تاريخية للانقضاض على ما تبقى من القضية الفلسطينية. فالدعم الأمريكي، والصمت الدولي، والانشغال الإقليمي بأزماته الداخلية، كلها عوامل تصب في صالح المشروع الإسرائيلي.
وفي المقابل، يحمّل عنبتاوي السلطة مسؤولية كبيرة، معتبراً أنها لا تزال رهينة لاتفاقات لم يعد الاحتلال يعترف بها عملياً، بل ويسعى إلى تجاوزها وإقصاء السلطة نفسها من المشهد.
وفق هذه القراءة، فإن استمرار صمت السلطة سيقود إلى تقويضها تدريجياً، وفتح الطريق أمام ضم أكثر من 60% من الضفة الغربية، وصولاً إلى سيطرة إسرائيلية كاملة سياسياً واقتصادياً.
ويخلص عنبتاوي إلى أن مواجهة هذا السيناريو تتطلب تحولاً جذرياً في النهج الفلسطيني، يبدأ بردم الفجوة بين السلطة والشعب، وإعادة بناء الوحدة الوطنية، والعودة إلى الخيارات الوطنية الجامعة، إلى جانب العمل على حشد قوة عربية وإقليمية ودولية قادرة على كبح جماح هذا المشروع. في ظل ذلك، تبقى الضفة الغربية أمام مفترق طرق حاسم، قد يرسم ملامح مستقبل القضية الفلسطينية.

