فلسطين أون لاين

قبور بلا شواهد.. عائلات غزة تبحث عن حق الدفن تحت الركام

...
شاب يبحث عن جثامين أفرا عائلته تحت أنقاض منزله الذي قصفه الاحتلال
غزة/ عبد الرحمن يونس

في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، لا يقف أيمن سالم أمام أنقاض بيتٍ فقط، بل أمام ذاكرة كاملة مُسحت من الوجود. هنا كان حيٌّ يعجّ بالحياة، واليوم صار كومة ركام تخفي تحتها أكثر من ثلاثين شهيدًا من عائلته، بينهم أطفال ونساء وكبار سن.

يقف أيمن يوميًا في المكان ذاته، يحدّق في الحجارة كما لو كانت شواهد قبور مؤجلة، ويقول بصوت تتنازعه المرارة والغضب:

يقول لـ "فلسطين أون لاين": “لم نعد نطلب المستحيل، نريد فقط أن ندفن أبناءنا. كل يوم نأتي إلى هنا كأننا نزور قبورًا بلا أسماء. العالم يعرف قصتنا، لكنه يختار الصمت”.

يحاول أيمن وعائلته منذ أشهر التواصل مع جهات دولية، أممية وحقوقية، دون جدوى. الدفاع المدني، كما يقول، يبذل أقصى ما لديه، لكن بلا معدات ثقيلة يصبح انتشال الشهداء حلمًا بعيد المنال. ويضيف بوجع:

“حين كانوا يبحثون عن جثامين إسرائيليين، جاءت المعدات من كل مكان. أما شهداؤنا، فيُتركون تحت الأنقاض”.

غير بعيد عن مخيم الشاطئ، يعيش كرم الشنطي مأساة مشابهة. خمسة عشر شهيدًا من أقاربه ما زالوا تحت أنقاض منزل العائلة غرب غزة. بدأ الدفاع المدني العمل أكثر من مرة، ثم توقّف. نقص الوقود، غياب الآليات الثقيلة، وخطورة المباني المتصدعة، كلها أسباب تعيد الحزن إلى نقطة الصفر.

يقول كرم لـ"فلسطين أون لاين": “كلما سمعنا صوت حفّار نعتقد أن الفرج اقترب، ثم يتوقف كل شيء فجأة”. انتظارٌ طويل حوّل الحداد إلى حالة يومية، وإلى وجعٍ بلا نهاية.

في شمال قطاع غزة، تبدو المأساة أكثر قسوة. محمد شهاب فقد أكثر من ستين شهيدًا من عائلته في غارة واحدة من أعنف الغارات. الدمار كان كاملًا إلى حدٍّ لم يعد معه بالإمكان تحديد أماكن الجثامين.

يقول محمد: “نعيش حدادًا بلا قبور. ذكرياتنا مدفونة مع أحبائنا، والظلم يتضاعف حين نرى العالم يتحرك فقط عندما يتعلق الأمر بالإسرائيليين”.

هذا الحزن المعلّق لا يهدد كرامة العائلات فقط، بل ينذر بكارثة أوسع. الدفاع المدني في غزة يحذّر من أن بقاء الجثامين تحت الأنقاض يشكّل خطرًا صحيًا وبيئيًا جسيمًا، فضلًا عن مخاطر انهيار المباني، خاصة مع المنخفضات الجوية. ومع ذلك، تتكدس نداءات الاستغاثة دون استجابة حقيقية، في ظل نفاد الوقود وتلف المعدات القليلة المتوفرة.

يقول المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، إن ملف انتشال جثامين الشهداء يُعد من أعقد الملفات الإنسانية في القطاع، مشيرًا إلى أن قرابة تسعة آلاف جثمان ما تزال تحت الأنقاض حتى اليوم.

ويوضح لـ"فلسطين أون لاين" أن الإمكانات الحالية لا تتناسب مطلقًا مع حجم الكارثة، إذ لا يمتلك الدفاع المدني سوى حفّارين صغيرين لا يلبّيان الحد الأدنى من الاحتياج، ما يجعل عملية الانتشال بطيئة وخطيرة وقد تمتد لسنوات.

ويكشف بصل عن مفارقة صادمة تعكس ازدواجية المعايير الدولية؛ إذ تحرّك المجتمع الدولي بسرعة وضغط بقوة لإدخال معدات متطورة للبحث عن جثامين أسرى إسرائيليين، بينما تُترك جثامين آلاف الفلسطينيين تحت الركام دون أي ضغط مماثل، وكأن الدم الفلسطيني أقل قيمة في ميزان الإنسانية.

هذه الازدواجية لا تُقاس بالأرقام فقط، بل تنعكس على وجوه الأمهات اللواتي ينتظرن منذ شهور خبرًا عن أبنائهن، وعلى الآباء الذين يقفون يوميًا قرب أنقاض بيوتهم، يحدّقون في الركام، لعلّ جرافة تصل أو حفّار يتحرك.

في غزة، لا تنتهي المأساة عند لحظة القصف، ولا تُختتم الفاجعة بتشييع الشهداء. هناك عائلات كاملة ما تزال عالقة بين الفقد والانتظار، تبحث عن أبنائها تحت ركام المنازل، وتعيش حزنًا معلّقًا لأنها لم تُمنح حتى حق الوداع أو الدفن.

وفي ختام هذا المشهد القاتم، تبقى معاناة أهالي الشهداء شاهدًا حيًا على فشل المنظومة الدولية في حماية المدنيين الفلسطينيين، وعلى سياسة الكيل بمكيالين في التعاطي مع الدم الفلسطيني. وبينما يطالب الأهالي بحقهم الإنساني البسيط في دفن أبنائهم، يظل السؤال معلقًا:

إلى متى سيبقى شهداء غزة تحت الأنقاض، وإلى متى سيظل صمت العالم شريكًا في هذه الجريمة؟

المصدر / فلسطين أون لاين