لم تكن حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة حدثًا عابرًا في حياة خالد القطاطي الملقب بـ"أبو عبد الله"، بل تحولت إلى سلسلة متواصلة من الفقد، مزقت عائلته بيتًا بيتًا، وتركته في مواجهة الحياة مع طفله وحيدًا، بعد أن غيبت المجازر الإسرائيلية زوجته وأبناءه وأقاربه، واحدًا تلو الآخر.
أبو عبد الله، من حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، يجلس اليوم في خيمة نزوح، محاطًا بذكريات ثقيلة، يسترجع تفاصيل عامين لم يكونا يشبهان غيرهما. يقول بصوت منهك: "اللي صار معي بالحرب… راحت فيها زوجتي، وراحوا أولادي. كل شهر أفقد حد من العيلة، ابن عم، قريب، أخ… المجازر ما توقفت".
المجزرة الأولى
يعود أبو عبد الله بذاكرته إلى الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2023، اليوم الذي غير حياته إلى الأبد، حيث كان هو وعائلته داخل منزلهم في حي الزيتون، في وقت كان فيه الحي محاصرًا من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
"كنا قاعدين في دارنا، ولم نكن نتوقع حدوث شيء.. قبل أن يصعد الأولاد ووالدتهم إلى السطح لتعبئة المياه من البرميل.. ما استفقنا إلا على صوت قصف، طلعنا نشوف… لقيت الولدين ممددين، ولقيت زوجتي الله يرحمها ممددة".
يتوقف قليلًا، وكأن الكلمات تخونه، ثم يكمل: " عندما رأيت المشهد انهرت… ما ظلش في عقل. الحمد لله على كل حال".
في تلك الغارة، فقد أبو عبد الله زوجته واثنين من أبنائه، في لحظة واحدة، بينما كان الحي بأكمله يعيش تحت القصف والحصار.
الموت يتكرر
لم تتوقف المأساة عند تلك المجزر، فخلال حصار حي الزيتون، لجأ عدد كبير من أقارب أبو عبد الله إلى منزله، هربًا من القصف. يقول: "صار عندنا نازحين من جماعتنا، كترنا في الدار".
وبعد أيام قليلة، في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2023، ومع حديث عن تراجع الدبابات الإسرائيلية، حاول بعض أفراد العائلة الخروج لجلب الطعام والماء، لكن القصف عاد بشكل مفاجئ ليستهدف الاحتلال منزل أبو عبد الله بصاروخين.
في تلك الغارة، استُشهد أولاد أخواله، واستُشهدت شقيقته وزوجها، وبنتان من بناتهما وولدان من أولادهما، إضافة إلى ابنه الصغير، الذي لم يتجاوز عمره خمس سنوات.
يصف أبو عبد الله ما تلا ذلك بقوله: "المجازر ما وقفتش. كل فترة وفترة… أبوي راح، بعده أولاد عمي، أولاد خالي، خالي، كمان أخت وولد من أولادها".
يوسف… الناجي الأخير
لم يبق من عائلته الكبيرة سوى أختٍ واحدة، وطفلٍ يتيم أصبح رفيق وحدته. "ما ضليش إلا هالاخت، وهذا الولد يوسف"، يقول، ثم يضيف: مختصرًا كل ما عاشه: "الاحتلال أخذ أعز الناس… ما في حياة بعد فقدان اللي بنحبهم".
يوسف، الطفل الوحيد الذي تبقى لأبو عبد الله، يجلس إلى جانبه، يقول بصوتٍ خافت: "الدنيا قهر.. الشتاء غرقنا ميه، والخيمة كانت تطير فينا.. كل إشي صعب".
وعن الحياة دون أم وأخوة، يجيب بلا تردد: "صعبة كثير، على الآخر". أما أمنيته الوحيدة، كما يقول، أن يعود البيت كما كان، وأن يجلس مع إخوته ويلعب معهم، وأن تعود أمه، لكنه يدرك، بحزنٍ يفوق عمره، أن هذه الأمنية لن تتحقق.
يتذكر أبو عبد الله أيامًا كانت مليئة بالفرح، قبل أن تسرقها الحرب، ومنها عيد ميلاده الذي يوافق الأول من يناير: "كانت زوجتي وأبنائي يحضروا لي الهدايا… بنطلون، ساعة. عمري ما احتفلت بعيد ميلادي، بس هم كانوا يعملو لي فرحة".
مع بداية عامٍ جديد، لا يحمل أبو عبد الله أمنيات كبيرة. "أمنيتي نعيش زي الخلق والناس… نلاقي أكل وشرب، ونعيش بكرامة.. أنا أعيش في خيمة مش قادر أستر حالي… الخيمة بدها خشب وشوادر ونايلون وفراش، كله شحدة".
ورغم كل ما فقده، لا يزال أبو عبد الله معلقًا بمستقبل لطفله يوسف: "نفسي يكبر وأشوفه ناجح، أفرح فيه، أعلمه. التعليم هو الأمل".

