فلسطين أون لاين

لمار… طفولة ضاعت بين الرصاصة والسقوط

...
الطفلة لمار محمد طوطح (12 عامًا)
غزة/ هدى الدلو:

في صباح السابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، خرجت الطفلة لمار محمد طوطح (12 عامًا) من خيمتها في مخيم النزوح بالنصيرات لتناول فطورها اليومي، دون أن تعلم أن رصاصة متفجرة أطلقها الاحتلال الإسرائيلي ستخطف منها القدرة على المشي. استقرت الرصاصة في ظهرها، وكسرت فقرتها الخامسة، لتدخل في دوامة الشلل النصفي السفلي، وتسلبها طفولتها دفعة واحدة.

“كانت تضحك، تكتب اسمها على الرمال، واليوم توقفت كل أحلامها عند حدود الكرسي”، تقول والدتها إيمان طوطح لصحيفة "فلسطين"، وهي تحاول إخفاء دموعها.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد لمار قادرة على الوقوف أو المشي، وانتقلت من عالم الطفولة والحركة والضحك إلى كرسي متحرك، وأدوية، وأملٍ بعلاج لا يتوفر داخل غزة.

وتضيف والدتها: “كانت كل يوم تسألني: ماما، رح أرجع أمشي؟ وأنا أتهرب من الجواب…”، دون أن تعلم لمار أو عائلتها ما الذي ينتظرها لاحقًا.

وفي ظل ظروف النزوح القاسية وانعدام الرعاية الصحية، تعرضت لمار لإصابة جديدة، بعدما اضطر والدها لحملها أثناء الهروب من قصف جديد في منطقة الزيتون، فسقط بها أرضًا، ما أدى إلى كسر في الفخذ الأيمن ونزيف حاد، وصلت على إثره إلى المستشفى وقد انخفض مستوى الدم لديها إلى 4 فقط. وخضعت لاحقًا لعملية تثبيت بشريحة معدنية (بلاتين)، لكنها لم تسلم من تقرحات جلدية مؤلمة نتيجة قلة الحركة.

وحتى اليوم، لا تزال لمار طريحة سريرها في مستشفى الوفاء للتأهيل، تتلقى باستمرار محاليل غذائية ووحدات دم دون تحسن يُذكر. أما التقرحات الشديدة التي تعاني منها، فلم تُجدِ العلاجات المتوفرة نفعًا. كل ما تحلم به لمار هو أن تتحرك، أن تستعيد جزءًا من حياتها، لكنها تعيش في المقابل ألمًا نفسيًا عميقًا ينهش قلبها بصمت.

وتقول والدتها: “نفسيًا منهارة، ما بتضحك، وما بتحكي إلا نادرًا… حتى إخوتها تشتاق لهم، بسبب حالة التشتت التي نعيشها. أنا أقيم معها في المستشفى، وبقية أولادي في خيمة بالزوايدة”.

وبعد وقف إطلاق النار، لم تتمكن العائلة من العودة إلى منزلها الذي دُمّر بالكامل، واستمر نزوحها في خيمة بالزوايدة.

إيمان، وهي أم لثمانية أطفال، تعيش بين المستشفى والخيمة، بين الدعاء بأن تتحسن حالة ابنتها، والقلق الدائم على بقية أطفالها الذين يعيشون ظروفًا قاسية.

“أنا مش بس فاقدة الأمان، أنا أم مكسورة… كيف أواسي بنتي، وأنا كل يوم أرجع من المستشفى على خيمة بتوجع قلبي؟” تقول، وتتابع: “في اليومين الماضيين لم أنم بسبب المنخفضات الجوية والرياح. أخاف أن تغرق خيمتنا أو تقتلعها الرياح. ابني الصغير لم يتجاوز عامين، ولا يزال بحاجة إلى رعاية ودفء، والبرد لا يرحم”.

وتضطر الأم إلى العودة أسبوعيًا إلى أبنائها في الزوايدة للاطمئنان عليهم وتلبية احتياجاتهم، وسط معاناة شديدة من صعوبة المواصلات وارتفاع تكلفتها، إضافة إلى الوقت الطويل الذي يستغرقه التنقل بين الزوايدة وغزة.

“نعيش حالة من التشتت، ولمار لا تتوقف عن البكاء، ولا أستطيع التعامل معها. ننتظر تحويلة طبية علّها تُحسّن من وضعها الصحي والنفسي”، تقول والدتها.

وتشير إلى أن ابنتها لم تعد بحاجة إلى علاج جسدي فقط، بل إلى دعم نفسي ورعاية طويلة الأمد، وتحويلة عاجلة للعلاج خارج غزة، وزراعة خلايا أو تأهيل عصبي مكثف، وهي متطلبات تفوق قدرات القطاع المُنهك. ولم تعد لمار تسأل اليوم عمّا إذا كانت ستعود للمشي على قدميها.

بين الرصاصة الأولى والسقوط الثاني، تاهت طفلة، وضاعت سنواتها، ولم يبقَ لها سوى الألم… في انتظار فرصة قد تأتي، أو لا تأتي.

المصدر / فلسطين أون لاين