تسببت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في تدمير الجمعية الفلسطينية لتأهيل المعاقين، ما أدى إلى توقف كامل لخدمات تعليمية وتأهيلية وإنسانية كانت تُقدَّم منذ أكثر من 33 عامًا لمئات الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، وأعاد المؤسسة إلى نقطة الصفر بعد عقود من العمل المتواصل.
وأكدت محاسن الحلبي، مديرة الجمعية، أن الحرب قضت على البنية التحتية والخدمات التي كانت تقدمها المؤسسة، مشيرة إلى أن مقر الجمعية تحوّل إلى مبنى مدمر ومحروق، لم يتبقَّ منه سوى جدران سوداء، وأصبح مأوى للنازحين بعد تدمير منازلهم.
وأوضحت الحلبي، لصحيفة "فلسطين"، أن الجمعية التي تأسست عام 1993 في معسكر الشاطئ الشمالي، كانت من المؤسسات القليلة المتخصصة في رعاية وتأهيل الأطفال ذوي الإعاقة العقلية الذهنية البسيطة والمتوسطة، وصعوبات التعلم، للفئة العمرية من 6 إلى 14 عامًا.

وبيّنت أن الجمعية التزمت، على مدار سنوات عملها، بتقديم التعليم الأكاديمي المعتمد من وزارة التربية والتعليم، إلى جانب برامج الدعم النفسي والاجتماعي، والعمل على دمج الطلبة المؤهلين في المدارس الحكومية أو مدارس وكالة الغوث، قبل أن تُدمَّر هذه المنظومة بالكامل بفعل الحرب.
وأضافت أن جميع أقسام الجمعية تعرضت للتدمير، بما في ذلك حافلات النقل الثلاث التي كانت تقل الطلبة يوميًا من مختلف مناطق قطاع غزة، ما حرم عشرات الأطفال من الوصول إلى التعليم حتى في حال توفر بدائل مؤقتة.
وأشارت الحلبي إلى أن الخسائر لم تقتصر على الجانب المادي، بل شملت الجانب البشري، مع استشهاد أربع معلمات من ذوات الخبرة والكفاءة، كنّ يشكلن ركيزة أساسية في العملية التعليمية والتأهيلية، ما ترك أثرًا نفسيًا بالغًا على الطلبة وأسرهم وزميلاتهن في العمل.
وقبل اندلاع الحرب، كانت الجمعية تخدم ما بين 100 و120 طالبًا وطالبة من مناطق متعددة، منها معسكر الشاطئ، والنصر، والشيخ رضوان، وتل الهوى، والجلاء، والزيتون، وعسقولة، إلى جانب توفير بيئة تعليمية آمنة تتخللها أنشطة ترفيهية تهدف إلى تعزيز الصحة النفسية للأطفال ذوي الإعاقة.
ولفتت الحلبي إلى أن الضرر امتد خارج أسوار الجمعية، مع توقف برنامج المساعدات الخارجية الذي كانت تنفذه المؤسسة، والذي استفاد منه آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف مناطق قطاع غزة، من خلال توفير أجهزة تعويضية أساسية، مثل الكراسي المتحركة والمشايات وأجهزة قياس الضغط والسكر.
كما أدى تدمير وحدة العلاج الطبيعي التابعة للجمعية إلى حرمان الأطفال المصابين بالشلل الدماغي وكبار السن من جلسات العلاج والمتابعة، ما تسبب في تدهور أوضاعهم الصحية وزيادة معاناتهم اليومية، بعد أن كانت الوحدة مجهزة بأحدث الأجهزة ويعمل فيها مختصون ذوو خبرة.
ولم يسلم الجانب المهني من آثار الحرب، إذ دُمّر قسم الخياطة والتطريز الذي كان يوفر فرص تدريب وعمل للنساء وذوي الإعاقة، ويسهم في دعمهم نفسيًا واقتصاديًا من خلال المشاركة في المعارض وإنتاج المطرزات الفلسطينية.
وأوضحت الحلبي أن خدمات الجمعية توقفت كليًا خلال الحرب بسبب النزوح القسري، وتشتت الطلبة والمعلمين، وانقطاع الاتصالات، ما أدى إلى انقطاع الأطفال ذوي الإعاقة عن التعليم والرعاية في وقت كانوا فيه بأمسّ الحاجة للدعم.
ورغم حجم الدمار، تحاول الجمعية استئناف عملها بقدرات محدودة، حيث اضطرت إلى استئجار مقر مؤقت قُسّم بالشوادر إلى صفوف دراسية، وعاد العمل بعدد محدود من الموظفين، مع توفير الحد الأدنى من المستلزمات التعليمية.
وأضافت أن الجمعية تعمل حاليًا بحافلة واحدة فقط لنقل الطلبة، بعد أن كانت تمتلك ثلاث حافلات قبل الحرب، كما قرر مجلس الإدارة جعل التعليم مجانيًا، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر.
وختمت الحلبي بالتأكيد على أن ما تعرضت له الجمعية يمثل نموذجًا مصغرًا لمعاناة الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة، الذين دفعوا ثمن الحرب مضاعفًا بفقدان الخدمات والدعم وحقهم في حياة كريمة، في ظل دمار شامل ما تزال آثاره تتفاقم يومًا بعد يوم.


