فلسطين أون لاين

"رأوا القنابل والموت والجثث".. أطفال غزة عايشوا كل الفظائع و"اضطراب ما بعد الصدمة" تهديد لا يزال قائمًا

...
إصابات.jpg
غزة - فلسطين أون لاين

في قطاع غزة، يُشكِّل الأطفال (كل مَن يبلغ من العمر أقل من 18 عامًا) ما يُقارب نصف السكان البالغ عددهم أكثر من مليونَيْ فرد. لا يُستثنى هؤلاء الأطفال من الحروب والعدوان الذي يشهده القطاع منذ فرض الحصار عليه، وهم إن تفادوا قتل غارات الاحتلال الإسرائيلي لهم، فلا يمكن أن يفروا من مواجهة مباشرة مع الدمار والموت والرعب الذي يُفضي إلى كل الآثار النفسية.

لا يشعر الطفل الغزّي بالأمان في أي مكان كان، وهو مُعرَّضٌ لأن يغادر مسكنه في أي لحظة ليعود فيجد أنه قد سُوي بالأرض، وهي مأساة لا تغيب عن معظم أطفال القطاع الذين عايشوا حتى ولو حربا واحدة على الأقل.

حتى قبل اندلاع الحرب في غزة، كان سكان القطاع الفلسطيني المحاصر يعانون من أسوأ معدلات الأمراض العقلية في العالم، ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، هناك ارتفاع حاد في اضطراب ما بعد الصدمة المزمنة بين أطفال فلسطين.

يقول أحد الآباء، لباحثي منظمة إنقاذ الطفولة: "لقد رأى الأطفال هنا كل شيء. لقد رأوا القنابل والموت والجثث… لم يعد بإمكاننا التظاهر أمامهم بعد الآن. صار بإمكان ابني الآن التعرف على أنواع المتفجرات التي تتساقط".

فيما تقول سماح جبر رئيسة وحدة الصحة العقلية التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية، إنَّ تجربة مثل هذه الفظائع لا يمكن ترجمتها بسهولة إلى التعريف السريري لاضطراب ما بعد الصدمة أو تقديم العلاج السريري له. إذ لا تأخذ أدوات تقييم الاكتئاب، مثل قائمة بيك، في الاعتبار الظروف التي يكون فيها الكرب استجابة معقولة.

الدكتورة سماح في مقابلة مع صحيفة The Observer قالت: "إذا كان المجتمع الغربي يعتبر حادث سيارة صادماً، فهل يمكننا استخدام الكلمة نفسها لوصف مستوى الفظائع التي تحدث بغزة؟ الصدمة في فلسطين جماعية ومستمرة".

وتابعت: "اضطراب ما بعد الصدمة هو عندما يكون عقلك عالقاً في حلقة مؤلمة، بينما في فلسطين، الحلقة هي الواقع، والتهديد لا يزال قائماً. وفي حالة الفلسطينيين، اليقظة المفرطة والاستجابة التجنبية الناتجة عن الصدمة، قد تكونان منقذتين للحياة. نحن نرى هذا على أنه اضطراب إجهاد صادم مزمن".

استلهمت الدكتورة سماح من أعمال الطبيب النفسي والفيلسوف السياسي في منتصف القرن العشرين فرانز فانون. كان فانون مناهضاً للاستعمار من جزر المارتينيك وانضم إلى حركة الاستقلال الجزائرية، وكان رائداً في مفهوم "علم نفس المجتمع"، وساهم كثيراً في فهم نفسية الشعوب المضطهدة والمحتلة.

وأضافت الدكتورة سماح: "حصلت على تدريب متقدم في الطب النفسي بالمملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، لكن عندما عدت إلى فلسطين بدأت أشكك في ما تعلمته. وفي حالة فلسطين، يعد العنف السياسي وديناميكيات السلطة عنصراً مهماً جداً في فهم مشكلات الصحة العقلية".

الطبيبة تعتقد أنه حيثما تكون العنصرية والإذلال عند نقاط التفتيش، ومداهمات الجيش الإسرائيلي، وهدم المنازل والاعتقال الإداري دون تهمة وضعاً شائعاً، يجب أن يتغير الواقع السياسي حتى يتمكن مرضاها من الوصول لتعافٍ حقيقي.

وقالت: "عندما تعمل مع شخص، على سبيل المثال، علاقته بالسجن الإسرائيلي مثل الباب الدوار؛ ما يلبث أن يخرج منه حتى يعود إليه، فلا يمكننا إيقاف الأزمات النفسية. لكن ما يمكننا فعله هو تقديم التضامن والإقرار والدعم والتأييد".

يمثل توفير المساعدة المتخصصة للصحة العقلية مشكلة مستمرة، لدى الدكتورة سماح 34 طبيباً نفسياً مدرباً فقط لرعاية الصحة العقلية لخمسة ملايين فلسطيني. وفي غزة، لم يكن هناك سوى ستة مراكز مجتمعية عامة للصحة النفسية ومستشفى واحد للأمراض النفسية قبل الحرب. وتوقفت جميعها عن العمل الآن.

واتفقت دراسة نُشِرَت العام الماضي، بمجلة Middle East Current Psychiatry مع الدكتورة سماح على أنَّ اضطراب ما بعد الصدمة واضطراب الإجهاد الناتج عن الصدمة المستمرة بين الفلسطينيين "لا يمكن تغييرهما ما لم تُحَل جذور المشكلة من خلال إنهاء 74 عاماً من العيش تحت الاحتلال".

فيما تعتقد الدكتورة سماح أنَّ العدالة والتضامن سيكونات بمثابة تصحيح مهم للأضرار التي سببتها هذه الحرب غير المسبوقة.

حيث أوضحت أنَّ ذلك سيكون "من خلال مساعدة الأشخاص الذين فقدوا إنسانيتهم وقيمتهم، على استعادة الشعور بالكرامة.. وهو ما لا يستطيع علماء النفس فعله بمفردهم. نحن بحاجة إلى ردود على المستويين الوطني والدولي، وبحاجة إلى أن يقف بقية العالم معنا".

وفي السياق، أعلن المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أن عدد الأطفال الذين قتلوا بسبب الحرب المستمرة في غزة، يفوق عددهم مدى أربعة أعوام من النزاعات في العالم.
وكتب المفوض فيليب لازاريني على منصة "إكس": "أمر مذهل. عدد الأطفال الذين أحصي قتلهم في أربعة أشهر فقط في غزة يفوق عدد الأطفال الذين قتلوا على مدى أربعة أعوام في النزاعات في العالم"، مندداً بما اعتبره "حرباً على الأطفال".

واعتمد لازاريني في منشوره مرجعاً أرقام الأمم المتحدة التي تظهر أن 12 ألفاً و193 طفلاً قتلوا في نزاعات حول العالم بين العامين 2019 و2022.

 

المصدر / ترجمة عربي بوست