فلسطين أون لاين

تقرير اقتصاد الضفة تحت الضغط.. قطاعات تتراجع وأسواق في حالة ركود ممتد

...
تشهد الضفة الغربية المحتلة منذ حرب الإبادة على قطاع غزة تراجعاً اقتصادياً ملحوظاً في جميع القطاعات
غزة/ رامي رمانة:

تشهد الضفة الغربية المحتلة منذ حرب الإبادة على قطاع غزة تراجعاً اقتصادياً ملحوظاً في جميع القطاعات، وسط ظروف سياسية ومالية معقدة انعكست انعكاسًا مباشرًا على حياة المواطنين وأداء الأسواق.

 وبين شهادات من الميدان وتحليلات خبراء، تتضح صورة اقتصاد يواجه ضغوطاً متزايدة، مع تراجع في الإنتاج، وانكماش في النشاط التجاري، وارتفاع في معدلات البطالة والفقر.

من جهته، وصف عامل البناء نضال شحرور الأوضاع الاقتصادية في الضفة بأنها تشهد تدهوراً مستمراً منذ نحو بدء الحرب على غزة، مشيراً إلى أن هذه الفترة اتسمت بتضييق متزايد انعكس مباشرة على طبيعة عمله ونشاطه المهني.

وأوضح شحرور لصحيفة "فلسطين" أن نشاطه في قطاع البناء كان قبل هذه الفترة أكثر استقراراً، إذ كان يشرف على تنفيذ أعمال إنشائية متعددة لصالح المواطنين، إلا أن هذه الأعمال بدأت بالتراجع تدريجياً، مع تغير أولويات الناس الذين باتوا يركزون على تأمين الاحتياجات الأساسية من المأكل والمشرب، في وجود الظروف الاقتصادية الصعبة، على غرار ما يحدث في قطاع غزة.

وأضاف أن توقف العمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أدى إلى تدني فرص العمل بشكل كبير، ما تسبب في زيادة أعداد العمال الباحثين عن فرص محدودة داخل السوق المحلي.

وأشار إلى أن العديد من الزبائن الذين كان ينفذ لهم أعمالاً إنشائية أصبحوا غير قادرين على تسديد مستحقاتهم المالية بالكامل، ما أدى إلى تراكم الديون عليه، وانعكس بدوره على قدرته في دفع أجور العمال الآخرين الذين يعملون معه.

عوامل متداخلة

من جانبه، قال بائع الملابس عبد العزيز أبو طيور إن الحركة التجارية في الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة، مرجعاً ذلك إلى عدة عوامل اقتصادية ومعيشية متداخلة.

وأوضح أبو طيور لصحيفة "فلسطين" أن من أبرز أسباب هذا التراجع عدم تلقي الموظفين رواتبهم كاملة، إلى جانب تراجع دخل شريحة العمال، ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.

وأضاف أن حالة القلق والترقب لدى المواطنين، نتيجة متابعتهم المستمرة لما يجري في قطاع غزة، أسهمت أيضاً في تقليص الإنفاق، في ظل خشيتهم من تدهور الأوضاع إلى مستويات مشابهة، خاصة أن "العدو واحد".

وأشار إلى أن من يمتلك المال بات حريصاً على الاحتفاظ به قدر الإمكان، وتوجيه إنفاقه نحو الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، ما أدى إلى ركود واضح في الأسواق.

مرحلة حرجة

من جهته، لفت رجل الأعمال نور الدين جرادات إلى أن الضفة الغربية تمر بمرحلة اقتصادية حرجة تتسم بتراجع واضح في مختلف المؤشرات، مع غياب تدخلات فعّالة قادرة على الحد من هذا الانحدار.

وأوضح لصحيفة "فلسطين" أن الواقع الاقتصادي الحالي يتشكل تحت ضغط عاملين رئيسين؛ الأول يتمثل في حرمان شريحة واسعة من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، ما أدى إلى انقطاع مصادر الدخل لآلاف الأسر، والثاني يكمن في استمرار احتجاز أموال المقاصة، الأمر الذي انعكس سلبًا على قدرة الحكومة برام الله على الإيفاء بالتزاماتها المالية، خاصة دفع الرواتب، وهو ما تسبب في تراجع ملحوظ في القوة الشرائية ودخول الأسواق في حالة ركود.

وأشار جرادات إلى أن القطاع الصناعي، باعتباره أحد أهم القطاعات المشغلة، تأثر بشكل كبير نتيجة الإغلاقات المتكررة والحواجز، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة والنقل والتخزين، ما أدى إلى إضعاف القدرة الإنتاجية وتراجع تنافسية المنتجات المحلية في السوق.

وأضاف أن هذه التحديات دفعت العديد من المنشآت الاقتصادية إلى تقليص أعمالها أو التوقف الكامل، ما أسفر عن تسريح أعداد متزايدة من العاملين، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

كما نبه إلى أن تعقيدات المشهد الاقتصادي تتفاقم مع استمرار غياب الدعم الخارجي، سواء العربي أو الأوروبي، إلى جانب السياسات المالية الضاغطة، وعلى رأسها احتجاز الإيرادات الضريبية، الأمر الذي يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

هامش محدود

وفيما يتعلق بإمكانية المعالجة، بيّن جرادات أن هامش التدخل محدود مع سيطرة الاحتلال على مفاصل الاقتصاد، إلا أنه شدد على أهمية اتخاذ إجراءات تخفيفية، مثل إعادة النظر في الاتفاقيات الاقتصادية القائمة، وضبط أسعار مصادر الطاقة، وتفعيل دور الجهاز المصرفي في دعم القطاعات الإنتاجية، إلى جانب تعزيز برامج الحماية الاجتماعية.

وتطرق كذلك إلى أثر التوسع الاستيطاني، خاصة عبر البؤر المنتشرة، باعتباره عامل ضغط إضافيا ينعكس على الواقع الاقتصادي، في إطار سياسات أوسع تستهدف فرض معطيات جديدة على الأرض.

وأكد  أن المجتمع الفلسطيني يمتلك قدرة عالية على التكيف والصمود، كما أثبتت التجارب السابقة، إلا أن استمرار الأوضاع الراهنة دون حلول حقيقية قد يؤدي إلى تداعيات أكثر تعقيدًا في المستقبل.

 الزراعة والثروة الحيوانية

بدوره، قال الدكتور ثابت أبو الروس، المختص في الشأن الاقتصادي، إنه عند الحديث عن اقتصاد الضفة الغربية لا بد من تناول القطاعات الاقتصادية المختلفة وتحليل واقعها وقراءة توجهاتها في المرحلة الحالية.

وأوضح أبو الروس لصحيفة "فلسطين" أن القطاع الأول المتضرر بشكل كبير هو قطاع الزراعة في ظل سياسات الاحتلال، وإعادة برمجة المناطق المصنفة "ج"، وفرض السيطرة الكاملة عليها.

وبين  أن هذه السياسات أدت إلى خنق المزارع الفلسطيني، الذي بات عاجزاً عن الوصول إلى أراضيه في تلك المناطق، والتي تشكل الامتداد الجغرافي الأساسي للزراعة الفلسطينية.

وبيّن أن الأراضي المصنفة "ج" تشكل نحو 67% من مساحة الضفة الغربية، وهي من أكثر الأراضي خصوبة، خاصة في منطقتي طوباس والأغوار. وأضاف أنه منذ السابع من أكتوبر، شددت سلطات الاحتلال سيطرتها على هذه المناطق، ومنعت العمال والمزارعين من الوصول إليها، الأمر الذي حرم فلسطين من "سلتها الغذائية" التي كانت تتمثل في تلك المناطق.

وفيما يتعلق بالقطاع الثاني، وهو قطاع الثروة الحيوانية، أشار أبو الروس إلى أن اعتداءات المستوطنين وسرقة المواشي، والتي قُدرت بما لا يقل عن 14 ألف رأس من الغنم، تمثل ضربة قاسية للاقتصاد الفلسطيني، خاصة أن هذا القطاع يشكل جزءاً مهماً من البنية الاقتصادية القائمة على الزراعة والإنتاج الحيواني.

تقطيع أوصال المحافظات

أما المحور الثالث، فتناول فيه تأثير الإجراءات الإسرائيلية في حركة التجارة، موضحاً أن نصب ما لا يقل عن 900 بوابة حديدية على مداخل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية أدى إلى تقطيع أوصال المحافظات، وإعاقة انسياب البضائع وسلاسل الإمداد، ما تسبب في خنق النشاط الاقتصادي الداخلي.

وفيما يخص القطاع الصناعي، نوه إلى أن مراكز الصناعة الرئيسية في محافظتي نابلس والخليل تواجه تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة إدخال مدخلات الإنتاج من الخارج، وارتفاع تكاليف التخزين، إضافة إلى القيود الإسرائيلية، ما أدى إلى تراجع العملية الإنتاجية بشكل ملحوظ.

وأضاف أن عدم صرف رواتب موظفي السلطة بشكل كامل منذ نوفمبر 2021 وحتى الآن، انعكس سلباً على الحركة التجارية، وأضعف القدرة الشرائية، ما أدى إلى تباطؤ دوران عجلة الاقتصاد.

كما لفت أبو الروس إلى التراجع الكبير في عدد العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل، إذ انخفض العدد من نحو 196,000 عامل إلى قرابة 38,000 عامل فقط، ما أدى إلى فقدان مصدر دخل مهم كان يشكل نحو 22% من الإيرادات المتدفقة إلى السوق الفلسطيني، بقيمة تقدر بنحو مليار و400 مليون شيكل.

واختتم أبو الروس بالإشارة إلى أن موازنة العام 2026، التي أقرتها وزارة المالية برام الله، جاءت بعجز كبير، ووصفت بأنها "موازنة وجودية"، أي أنها تقتصر على الحد الأدنى من مقومات الاستمرار المالي والاقتصادي، في الظروف الراهنة.

المصدر / فلسطين أون لاين