فلسطين أون لاين

اقتصاد غزة بعد الحرب.. رؤية تتجاوز الإعمار (2-2)

يبدأ التحول بإعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية، فالقطاع الزراعي يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات، في حين يشكل القطاع الصناعي محركا رئيسا لتوفير فرص العمل وزيادة القيمة المضافة.

كما ينبغي إعطاء أولوية خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل أكثر من 90% من منشآت القطاع الخاص الفلسطيني، وتعد العمود الفقري لأي اقتصاد يسعى إلى التعافي السريع وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي الوقت نفسه، يبرز الاقتصاد الرقمي بوصفه أحد أكثر القطاعات قدرة على النمو حتى في ظل محدودية الموارد. فالاستثمار في البرمجيات والخدمات الرقمية والعمل عن بعد وريادة الأعمال التكنولوجية يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام الشباب الفلسطيني ويعزز اندماج الاقتصاد الفلسطيني في الاقتصاد العالمي، رغم القيود المفروضة على الحركة والتنقل.

ولا تقل أهمية عن ذلك عملية إصلاح البيئة الاقتصادية والمؤسسية، من خلال تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية وتحسين مناخ الاستثمار وتمكين القطاع الخاص من أداء دوره شريكا رئيسيا في التنمية. كما أن الجامعات ومراكز الأبحاث مطالبة بأن تتحول إلى بيوت خبرة تقدم دراسات وسياسات مبنية على الأدلة وتربط التعليم والبحث العلمي باحتياجات الاقتصاد الفلسطيني.

ومن جهة أخرى، فإن المجتمع الدولي مدعو إلى الانتقال من منطق التمويل الإغاثي قصير الأجل إلى الاستثمار في التنمية المستدامة. فكل دولار يستثمر في التعليم والإنتاج والتكنولوجيا والبنية الاقتصادية يحقق عائدا مضاعفا مقارنة بالاعتماد المستمر على المساعدات الاستهلاكية مهما بلغت أهميتها في المراحل الطارئة.

ولعل نجاح أي خطة اقتصادية يتطلب رؤية وطنية موحدة تنسق بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الدراسات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن توجيه الموارد نحو المشاريع الأكثر قدرة على تحقيق النمو ورفع الإنتاجية وتوفير فرص العمل وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني.

إن غزة لا تحتاج إلى إعادة إعمار ما هدمه العدوان فحسب، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء نموذجها الاقتصادي على أسس الإنتاج والمعرفة والاستدامة. فالمساعدات قد تخفف المعاناة لكنها لا تصنع اقتصادا والإعمار قد يعيد المباني لكنه لا يضمن التنمية. وحدها الرؤية الاقتصادية الواضحة والإدارة الرشيدة والشراكة الحقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، هي القادرة على تحويل المأساة إلى فرصة للنهوض.

وقد تدمر الحروب المدن في سنوات، لكن بناء الاقتصاد يحتاج إلى رؤية تتجاوز الإعمار وإرادة تجعل الإنسان المنتج حجر الأساس في نهضة الوطن.

المصدر / فلسطين أون لاين