ذكرى جريمة إحراق المسجد الأقصى وخطر المشاريع الاستيطانية

يُصادف يوم غدٍ الأحد الموافق 8 /21 الذكرى 53 لجريمة إحراق المسجد الأقصى عام 1969 على يد الإرهابي المتطرف من أصل أسترالي يُدعى دينيس مايكل روهان الذي دخل البلدة القديمة في القدس عبر باب الأسباط وواصل مسيره نحو باب الغوانمة، وبعدها دخل الأقصى وأقدم على إشعال النيران بالمصلى القِبلي بالمسجد الأقصى من خلال استخدام مادة البنزين والكيروسين التي سكبها على وشاح كان معه، ومن ثم أشعل به النار، والتي امتدت حتى التهمت محراب ومنبر صلاح الدين الأيوبي والفسيفساء و الزخارف التاريخية، ويُذكر بأنّ الحريق استمر بالاشتعال لأكثر من 21 ساعة حاول أهالي مدينة القدس إطفاء الحريق باستخدام أدوات بدائية بسيطة، لكن في حينها قطعت سلطات الاحتلال الماء عن المسجد الأقصى ومحيطه ومنعت سيارات الإطفاء من الوصول لإخماد النيران المشتعلة.

وعلى إثر هذه الحادثة توقّعت رئيسة وزراء الاحتلال الصهيوني غولدا مائير في ذلك الوقت سحق إسرائيل واحتراقها، وهناك مقولة تم تداولها بعد وقوع الجريمة حين قالت: "عندما حرق الأقصى لم أنم تلك الليلة، واعتقدت بأنّ (إسرائيل) ستسحق، لكن عندما حلّ الصباح أدركت أنّ العرب في سبات عميق" ولعلّ قولها قد توافق بالفعل مع العجز العربي والصمت الدولي إزاء الجريمة منذ وقوعها و حتى يومنا هذا وما نتج عنها من تداعيات أبرزها الشجب والاستنكار والإدانات والبيانات التي لم تغير من الواقع شيء، وعلى الرغم من إنشاء منظمة مؤتمر العالم الإسلامي التي تضم دول عربية وإسلامية، لكنّها لم تُقدِّم شيء يستحق أن يُذكر على صعيد نصرة المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وشهدت جريمة إحراق المسجد الأقصى حالة من الغضب الفلسطيني والعربي الإسلامي ولكن في مقابل تلك الحالة برز فيها التواطؤ والتخاذل والتطبيع العربي الصهيوني والتأييد الأمريكي للجريمة، والتي لم يتوقف الاحتلال عندها، وحتى يومنا هذا يُواصل اعتداءاته وعدوانه على الشعب الفلسطيني سواء في مدينة القدس أو الضفة الغربية المحتلة أو قطاع غزة.

وقد بات من المعلوم بأنّ الاحتلال الصهيوني يُواصل مسلسل جرائمه وانتهاكاته في القدس والأقصى وفي أنحاء عدة من الضفة الغربية المحتلة، لاسيما مع عجز القيادة الفلسطينية المُتمثلة برئيس السلطة محمود عباس عن حماية المُقدسات الإسلامية أو الدفاع عنها، وهذا مما يُدلل على ارتفاع مستوى ضعفها السياسي الذي يتزايد مع استمرار الاحتلال الصهيوني بارتكاب الجرائم الممنهجة بحقِّ مدينة القدس والمسجد الأقصى حيث الانتهاكات الصهيونية المتواصلة والاعتقالات اليومية وهدم المنازل المقدسية والتهديد من جماعات استيطانية متطرفة والتهويد بتغيير معالم المدينة المقدسة والمشاريع الاستيطانية.

وما يُقابل المشاريع الاستيطانية  اقتحامات من اليمين الصهيوني المُتطرف سواء أكانت الجماعات التي تؤيد وتدعم رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق بنيامين نتنياهو أو من كانت في عهد نفتالي بينيت أو حتى كافة قطعان المستوطنين الصهاينة وأعضاء الكنيست وتدنيسهم للمسجد الأقصى على مرأى ومسمع السلطة الفلسطينية التي لم تُحرك ساكنًا تجاه نصرة المقدسات الإسلامية وحمايتها من تغول الاحتلال واستفراده بتنفيذ مخططاته الخبيثة لتغيير الواقع القائم في القدس والمسجد الأقصى.

ومن الجدير ذكره بأن الاحتلال الصهيوني حاول تمرير مشاريعه الخبيثة ضمن مُخطط التهويد  كالتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى والتأسيس المعنوي لما يسمى "المعبد" بأداء كامل الطقوس اليهودية في الأقصى، لكنه فشل أمام الإرادة المقدسية والهبّة الشعبية والجماهيرية التي انتفضت للدفاع عن القدس والأقصى ووقفت في وجه المخططات الصهيونية، و استطاع أهل القدس منع الاحتلال من إنجاح هبّة البوابات الإلكترونية في 2017 التي سعى الاحتلال من خلالها فرض هيمنته على المرابطين والمرابطات في المسجد الأقصى، والذين أفشلوا بذلك المشاريع الاستيطانية. 

وهنا لا بد من الإشارة إلى دور المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب القسّام في التصدي لاعتداءات الاحتلال الصهيوني واقتحامه  مستوطنيه الأقصى في 28 رمضان وتمثّل دفاعها عن المسجد الأقصى وأهل القدس والأحياء المقدسية ك حي الشيخ جرّاح من خلال إسنادهم والاستجابة لنداءاتهم، وهذا ما اتضح في معركة سيف القدس التي أثبتت المقاومة الفلسطينية من خلالها أنها الأقدر على حماية المُقدسات الإسلامية ونصرتها والدفاع عنها، وليس هذا فحسب بل فرضت معادلة جديدة في إدارة الصراع مع الاحتلال الصهيوني وغيّرت قواعد الاشتباك معه، وهذا ما ظهر عبر وحدة الساحات التي رسمتها المقاومة الفلسطينية وخطّتها بحنكة وذكاء واقتدار.