تغيير قواعد الاشتباك بين المقاومة والاحتلال

يكثر استخدام مصطلح قواعد الاشتباك والحديث عن تغييرها بعد كل جولة تصعيد أو عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، ولعل ذلك يرجع للطبيعة العسكرية التي تكون عليها تلك الحالة بين الطرفين (المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي) لدرجة أن يستخدم الاحتلال القوة بشكل مفرط في القتل والتدمير.

هل توجد قواعد دولية أو قياسية للاشتباك؟

لا تعد قواعد الاشتباك تعليمات صارمة ومحددة أو قياسية واجبة الالتزام في حال الاشتباك مع الطرف الآخر، ولكنها قواعد عامة وإطار عملياتي يسمح للجيش أو الشرطة باستخدام قدر معين من القوة العسكرية ضد جهة معينة في ظروف طارئة. وعليه فإن قواعد الاشتباك قابلة للتغيير والتبديل وفقاً للحالة الميدانية، مع مراعاة الجوانب القانونية والسياسية والإستراتيجية عند القيام بعمل عسكري سواء بالمبادرة به أو استجابة لاعتداء أو تهديد من الطرف الآخر.

ورغم أنه قد بدأ الحديث عن قواعد الاشتباك بعد الحرب العالمية الثانية وتحديداً من منتصف خمسينيات القرن الماضي مروراً بالحرب الباردة؛ إلاّ أنه لا توجد قواعد دولية أو قياسية متفق عليها، لا على المستوى العسكري للجيوش ولا على مستوى الشرطة في التعامل مع الجبهة الداخلية، ولكن لكل دولة قواعدها الخاصة، وكذا الأمم المتحدة التي تشرف على قوات حفظ السلام في العديد من الدول ومناطق النزاع حول العالم.

من يملك صلاحية تحديد قواعد الاشتباك؟

يعد حق تحديد قواعد الاشتباك العسكرية من صلاحيات القيادة السياسية، مع وجود حق استخدام السلاح والقوة للدفاع عن النفس في حال تعرض أي شرطي أو جندي للخطر. وهو أمر -تحديد الخطر- يختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى.

وضمن تعليمات الجيش الأمريكي حول تطبيق قواعد الاشتباك في الصومال عام 1992 خلال إدارة العمليات الأمريكية هناك، تحت مسمى قوة المهام المشتركة Joint Task Force (JTF)، تم تحديد قواعد اشتباك على الجنود تحدد أنه "لا تتضمن قواعد الاشتباك هذه حدوداً تمنعك من حق اتخاذ الإجراء المناسب لحماية نفسك أو وحدتك العسكرية". وقد تضمنت تلك القواعد قاعدة تؤكد أنه من حق الجنود الأمريكان استخدام القوة للدفاع عن أنفسهم في حال تعرضهم لهجوم مباشر، أو تعرضهم لتهديد بالهجوم، أو لوقف أي عمل عدائي. بل إن تلك القواعد قد حددت تعريف الأشخاص المدنيين باعتبار التهديد الذي قد يمثلونه على القوات الأمريكية والحاجة للدفاع عن النفس.

في نوفمبر 2021 أعلن الجيش الإسرائيلي تغييرا في قواعد الاشتباك في مناطق جغرافية معينة بحيث يتم السماح للجنود باستخدام القوة المميتة في ثلاث حالات هي: سرقة أسلحة وذخيرة من قواعد عسكرية، واقتحام قواعد وميادين رماية، ومحاولات التهريب عبر سيناء. يذكر أنه لم يكن في الماضي بإمكان الجنود إطلاق النار في تلك الظروف إلا إذا كانت حياتهم في خطر مباشر.

ما هي قواعد الاشتباك الإسرائيلية؟

بالنسبة للاحتلال لكل ساحة من الساحات الفلسطينية قواعد اشتباك مختلفة باعتبار وضعها الأمني والقوانين التي تحكمها سواء كانت عسكرية أو مدنية. فمدينة القدس المحتلة في الأحياء العربية هناك قواعد اشتباك تختلف عن تلك القواعد المطبقة في الأحياء اليهودية، وكذا الحال في مدن الداخل المحتل (عام 1948م). أما في الضفة الغربية التي تخضع للقوانين العسكرية الإسرائيلية، فالقواعد أكثر صرامة بالذات فيما يتعلق بحمل السلاح أو الاشتباه بوجود فلسطيني يحمل سكيناً أو حتى شك جندي على حاجز إسرائيلي بوجود تهديد تمثله امرأة وكأنها تحمل حزاماً ناسفاً، وهذا ما حدث مرات عديدة في العديد من المدن الفلسطينية في الضفة. وبحسب ما وثقه "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" في 10 إبريل 2022 بأن الجيش الإسرائيلي قتل المواطنة "غادة إبراهيم علي سباتي"،47 عاماً بعد إصابتها بالقرب من حاجز إسرائيلي في حوسان غربي بيت لحم جنوب الضفة الغربية، بعد استهدافها دون أي مبرر بدعوى اقترابها من الجنود وعدم استجابتها لندائهم لها بالتوقف. وكما هو الحال مع المواطنة "ابتسام خالد كعابنة"، 28 عاماً في 13 يونيو 2021 بعد إصابتها برصاص حارس أمن إسرائيلي، وتركها تنزف حتى الموت على حاجز قلنديا، شمالي مدينة القدس الشرقية المحتلة، بزعم محاولتها تنفيذ عملية طعن. ووفق تحقيقات المركز، فإن المواطنة المذكورة لم تكن تشكل خطراً جدياً على حياة الجنود، وكان بالإمكان السيطرة عليها دون استخدام قوة مفرطة.

أما في قطاع غزة الذي يعده الجيش الإسرائيلي كياناً معادياً، ويخضع كل شؤونه المدنية والأمنية للجيش بشكل مباشر وليس لأي من وزارات الحكومة الإسرائيلية، فإن قواعد الاشتباك فيه واسعة بشكل يتيح للجيش الإسرائيلي قتل كل من يقترب من السلك الأمني شرق وشمال القطاع، وهذا ما كان واضحاً خلال مسيرات العودة وكسر الحصار عام 2018-2019م. بل إن الجيش لديه تعليمات ميدانية خلال جولات التصعيد لاستهداف مرافق مدنية وبنايات سكنية متعددة الطبقات داخل قطاع غزة بأسلحة ذات قدرات تدميرية هائلة، كما حدث خلال عدوانه على قطاع غزة خلال معركة سيف القدس مايو 2021، حيث تم تدمير عدة بنايات سكنية تتجاوز 10 طبقات مثل برج هنادي السكني وأبراج تجارية تحتوي على مؤسسات إعلامية محلية ودولية مثل برج الشروق وبرج الجوهرة وبرج الجلاء وسط مدينة غزة. 

لقد استطاعت المقاومة الفلسطينية إرساء قواعد اشتباك تعتمد على "الردع" بفعل مراكمة قوتها العسكرية، ونجاحها في عدة ميادين من المواجهة مع الاحتلال، فيما يتعلق بأسر جنود خلال العمليات البرية في غزة وعلى حدودها، كما حدث مع الجندي "جلعاد شاليط" عام 2006م، والجندي "شاؤول أرون" والضابط "هدار جولدن" اللذَيْن أسرا خلال العدوان على غزة عام 2014. ولعل إحدى أهم نتائج الجولة العسكرية الأخيرة (5-7 أغسطس 2022)  أن المقاومة حافظت على الردع البري للاحتلال، وأن اجتياح غزة لا يزال أكبر كوابيسه التي يتجنبها أي سياسي إسرائيلي منوط به اتخاذ القرار.

ماذا بعد؟

لقد استطاعت المقاومة أن تكسر بعض قواعد الاشتباك الإسرائيلية، من قبيل استهداف القيادات العسكرية والسياسية في أي وقت، وكذلك ما أعلنه الاحتلال أن كل بالون حارق سيرد عليه الجيش باعتباره يعادل صاروخاً. إضافة إلى قدرة الطرفين على تجاهل الرد في بعض الحالات لاعتبارات إستراتيجية مرتبطة بعدم الدخول في حالة من الاستنزاف المستمر، كما حدث بامتصاص المقاومة عدة حالات من القصف لمواقعها أو مراصدها غير المأهولة، في مقابل تجاهل الجيش الرد في أحداث انطلاق صواريخ من غزة أثبتت المقاومة من خلال الوسطاء أنها أطلقت بالخطأ نتيجة ظروف الطقس.

لا تزال قواعد الاشتباك تتغير بحسب المعطيات الميدانية وطبيعة الجغرافية السياسية، مثل طبيعة الربط بين الساحات الفلسطينية الأربع (القدس والضفة والداخل المحتل وغزة)، وصولاً إلى تعدد جبهات المقاومة الداخلية والخارجية، واستهداف القيادات العسكرية والسياسية استباقيا، وتدمير المنشآت والمرافق الاقتصادية، وقتل المواطنين الآمنين في بيوتهم.