تقرير نجل الاستشهادي "مسك" يغمر بيت عائلته بالفرح ويختتم تفوق أشقائه

...
نجل الاستشهادي مسك
غزة/ يحيى اليعقوبي:

كان جنينًا في شهره الرابع، يهدده الموت حتى في بطن أمه نتيجة ظروف صعبة مرت بها، عندما استشهد والده رائد مسك، لكن شاءت الأقدار أن يولد "محمد" ويعيش بلا أبٍ، لكنه تعرّف على والده من كلام الناس، لم يكن الفقد حاجزًا أمامه للتفوق الذي بدأه بحفظ كتاب الله تعالي قبل عامين، وها هو اليوم يختم تفوق أبناء الاستشهادي الثلاثة بحصوله على معدل 93.3% في الثانوية العامة بالفرع العلمي.

في لحظة ترقب، تجمعت العائلة حول محمد، الجميع ينتظر وصول الرسالة، العدّ التنازلي للانتظار يقترب من التاسعة (موعد وصول الرسائل النصية)، القلق يطرق قلبه، رغم أنه حسب نتيجته بدقة، وتوقّع أن يحصل على معدل 93%، لم تتأخر الرسالة وجاءت الرياح بما اشتهت سفن توقّعه، وغمرت العائلة فرحةٌ عارمة، تفتحت براعم الابتسامة بين شفاههم، وعلا صوت الزغاريد، وعانق والدته وقبّل يدي جده ورأسه، كان والده حاضرًا أيضًا في المشهد في صورة معلّقة على جدار الغرفة، وفي قلب ابنه المتفوق.

في صورة التقطت للشهيد رائد، قبل 20 عامًا وقبل استشهاده بأربعة أيام، جمعته في إطارها وهو يحتضن طفليه "مؤمن وسما" غاب محمد الذي كان جنينًا في بطن أمه عن الصورة التذكارية الشهيرة، وكبر الأطفال وباتوا ثلاثة أطباء، فمؤمن حصل على معدل 97.1% في الفرع العلمي عام 2017، ويدرس الطب حاليًا، وتدرس شقيقته سما التي حصلت على معدل 95.3% عام 2019 الطب كذلك، ومحمد يمضي على الطريق نحو دراسة تخصص طب الأسنان.

كان لافتًا في ردَّ مؤمن على هاتف "صحيفة فلسطين" مناداته على شقيقه من بين المهنئين بـ "محمد رائد" حتى بات الاسم مركبًا ملتصقًا لا يفارق اسم الأب أسماءهم في كل نداء ليتكرر في اليوم عشرات المرات، حتى لا ينقطع من البيت.

نتيجة متوقعة

تجري الفرحة على لسان محمد محتفيا بتفوقه "الحمد لله كانت فرحة كبيرة، كانت النتيجة متوقعة، فقد توقعت حصولي على 93% بعدما أحصيت إجابتي على ورقة الامتحان، وأهدي النجاح والتفوق لروح والدي، وإلى أمي التي تعبت علي وجدي الذي رباني ".

يرفع المتفوقون رأس آبائهم، فيكون ذلك حافزًا ودافعًا للنجاح والتفوق، لكنّ محمدًا ومن قبله أشقاؤه يحيون في كل مرة يتفوقون فيها ذكرى والدهم ويتصدر اسمه المشهد فتنجذب إليهم الأضواء، يقول: "أردت رفع رأس أبي، حتى وهو غير موجود، وحتى لو أني لا أعرفه ولم أره إلا في صورة، وكنت أحب أن أصبح مثله".

إضافة لتفوقه المدرسي طوال مراحله الدراسية فكان اسمه بين الأوائل على الفصول الدراسية، حفظ محمد القرآن الكريم على مدار تسعة أعوام، وقبل عامين أتمّ حفظه كاملاً، "أنت حافظ القرآن بده يقف قدام التوجيهي" هذه عبارة كانت توجه إليه، من عائلته في لحظاتِ الضغط، التي أوشك فيه اليأس أحيانًا على الإمساك بعزيمته، فكانت الآيات التي تخزنها ذاكرته، وقلبه، أنيسه ومحفزه.

على دربِ شقيقيه الطبيبين "مؤمن وسما" يمضي محمد، نحو دراسة تخصص "طب الأسنان"، يؤكدون، أنهم أصحاب رسالة إنسانية، "الطب من أكثر المهن الشريفة التي تخفف الألم عن الناس، ونأمل أن نكون على قدر المسؤولية" يقول محمد.

مواجهة الفقد

يهمس محمد في آذان أبناء الشهداء "آباؤنا الشهداء، أناس اصطفاهم الله، بالتالي يجب أن نكون على قدر المسؤولية، وأن لا نجعل الظروف هي من تحاصرنا، فعني كنت دائمًا أقرأ وصية أبي لي، خاصة ما ينبهنا إليه بأن الوقت يمضي مسرعًا، ويجب استثماره بشكل إيجابي".

والاستشهادي القسامي رائد مسك نفّذ عملية بطولية حافلة للمستوطنين في التاسع عشر من آب/ أغسطس 2003 بالقدس المحتلة خلفت 21 قتيلا.

"الحمد لله، تفوق، واجتهد وحصد ثمار ذلك".. كلمات ممزوجة بالفرح ترافق صوت أمه، التي يحضرها لحظات حملها في طفلها الذي بات شابا اليوم وطبيبا على الطريق: "من بداية حملي فيه كان شقيقه مؤمن يتمنى أن يأتي أخ له ليسميه محمدا، ولم أكن أعرف جنس الجنين، وفي الشهر الثالث للحمل، تعبت كثيرًا، وكان زوجي الشهيد رائد يساعدني بأعمال البيت ويقول لي: "هذا الجنين خطيته برقبتك، إذا بصير فيه شيء" وكان يوفر لي سبل الراحة لكي لا تتأثر صحة الجنين، وكان الحملُ مهددًا".

في الشهر الرابع للحمل استشهد زوجها، ودخلت في حالة نفسية صعبة، لكنها دعت الله أن يصنعه على عينه، وأن يتولاه، وها هو كما حال إخوته تفوق بكل مراحله الدراسية ونال أجر جده واجتهاده.

رسالتها لزوجات الشهداء الأمهات، أن لا يكون الفقد ذريعة لعدم الاهتمام بالأبناء، فالأم قبل أن تكون موظفة أو اجتماعية هي أمٌ، "كنت أخصص جل وقتي لأبنائي مع أني لم أقطع علاقاتي الاجتماعية، لكن إن شعرت أن العلاقة ستؤثر على تربية الأبناء كنت أفضل الأبناء، وزرعت فيهم حب الدراسة".