- محمد عاد من قطر قبل الحرب بشهر وانخرط بالمعركة مبكرًا
- إياد.. بطل عبور 7 أكتوبر ورجل الإغاثة الأول بشمال القطاع
- قبر "أحمد" المكان الذي اختار والده أن يدفن فيه
وقف القيادي محمد أبو عسكر كالجبل في وداع نجليه الشهيدين خالد (19 سنة) وعماد (15 سنة) بعد مجزرة "الفاخورة" بمخيم جباليا عام 2009، رابطًا على جرحي قلبه، بوداعين ثقيلين في آنٍ واحدٍ، يقدم أكبر الأبناء لأجل فلسطين، وبنبرات فخر كان يذكر سيرة نجله الشهيد خالد الذي رغم صغر سنه صنع بطولاتٍ ملحمية، فقال أمام الجماهير في فيديو متداول حديثا: "عملية نذير الانفجار الاستشهادي الرابع الذي ظلل بالفيديو كان خالد، وعملية بيت لاهيا الجيب المقتحم الأول كان خالد، والليلة التي سبقت نسف البيت كان خالد استشهاديا. بقي لي من الذكور أربعة جاهز لأن أقدهم بأخويهم وعميهم في سبيل الله".
وبالرغم من قسوة الفقد إلا أن الرجل أبدى استعداده بتقديم بقية الأبناء لأجل فلسطين، ولم يكن ذلك مجرد شعارٍ يرفع أمام الجماهير، أو في لحظة عاطفة خلال مواراتهم الثرى، بل طريق ونهج رسمه الأب وسار عليه الأبناء، حتى استشهد بعد ذلك ثلاثة منهم، وكان هو في مقدمة الصفوف شهيدًا، ليخلد القيادي البارز والمؤسس في حركة حماس الشهيد محمد أبو عسكر تضحية كتبت بالدم.
طالع المزيد: القيادي "محمد المدهون".. ثلاثة شهداء ونظرة وداع واحدة
رحل الأخوة وبقي عبد الرحمن (19 سنة) الذي ودع أخوته وواراهم الثرى وتلقى فواجع الفقد بمراراته واحدة تلو الأخرى، سندًا لأمه "أم خالد" التي انضمت لقائمة طويلة من خنساوات فلسطين، وشقيقاته الخمس، وأخوته غير الأشقاء خالد (13سنة) وعماد (12 سنة) اللذان حملا أسمي أشقائهم الشهداء الأوائل في العائلة.
الفقد الأول
خلال حرب الإبادة عاشت العائلة فقدها الأول، باستشهاد محمد (20 سنة) في 6 نوفمبر/ تشرين ثاني 2024، أثناء التصدي لخطة "الجنرالات" ويومها دمر ناقلة جند، وبزحمة الأخبار وانقطاعها، بقي مصيره مجهولا لعائلته حتى أطل عليهم بجسده بعدما نجى من قصف إسرائيلي استهدف "عقدة قتالية" كان يتواجد فيها فخرج من تحت الأنقاض وعاد بملابس مغبرة من المعركة. يستذكر شقيقه عبد الرحمن لحظة عودة شقيقه للبيت في حديثه مع صحيفة "فلسطين": "كانت أمي سعيدة بعودته، وقال: "جاي أقعد كم يوم وأرجع" وكأنها كانت استراحة مقاتل، ثم عاد وتلقينا نبأ استشهاده في منطقة الفالوجا مقبلا غير مدبر".
يصفه بأنه شخص يحب الحياة، عاد من قطر قبل الحرب بشهر وكان يريد الانضمام لكلية الرباط الشرطية، إلا أنه لم يتأخر عن صفوف المقاتلين في التصدي ومواجهة الاحتلال، فنال الشهادة من أرض المعركة قبل الانخراط في الكلية الجامعية.
لم تشفَ العائلة من جرحها بفقد محمد، حتى كانت على موعد مع وداع جديد باستشهاد أحمد (19 سنة) وهو توأم عبد الرحمن، استشهد خلال التصدي لتوغل الاحتلال بمنطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة في 22 نوفمبر/ تشرين ثاني 2024.
خرج صوت عبد الرحمن مثقلاً بوجع فقد توأمه، تخرج الكلمات مليئة بالوجع من قلبه المكلوم قائلا: "كنا روح واحدة في جسدين، لم أتوقع استشهاد أخي. عندما ذهبت لأبلغ أبي بنبأ استشهاد أخي أحمد وكنت خائفا لأنه كان يحبه كثيرا، وكان يومها قد طلب رؤيته، سألني "من أنت بالتوأم؟".
يكمل: "لم يستطع تحديد الاسم لتقارب الشبه التام بيني وبين أخي، فسألني "أين أحمد؟"، وكأن قلبه كان يخبره بحدوث شيء، حتى ساعدني أحد مرافقيه على إبلاغه بالخبر الثقيل على قلبه: "بنعرفك صابر يا حج"، ويومها سجد سجدة شكر لله على مصابه، كما فعل في كل مرة ودع فيها أبنائه الشهداء، لكن الحزن بقي يسكن قلبه على فراق أحمد.
اتصال الفجر
فجر 22 ديسمبر/ كانون أول 2024، رن هاتف عبد الرحمن فيما كان يجلس على سجادة الصلاة، كسر صوت المتصل سكينته وطمأنينته: "تعال على المعمداني"، ليغادر المنزل بهدوء دون أن تشعر به أمه، ووصل المشفى ليجد والده شهيدًا، وقف في صمت مطبق، ودموع عادت لتجري مرة أخرى، ليفتح القلب جروح لم تضمد بعد، بعد استهداف مكان تواجد والده بحي الدرج بمدينة غزة.
بالرغم من الصلابة المعتادة عند القيادي أبو عسكر، نبرات صوته القوية خلال الخطابات الجماهيرية الكثيرة التي كانت تقدمه فيها حركة حماس، أو بخطابه السياسي القوي خلال لقاءاته الإعلامية، وصبره على فقد أولاده، خانه قلبه أمام حبه لنجله أحمد توأم عبد الرحمن، فيحكي: "كان يحبنا بنفس المقدار، لكنه تعلق بأحمد لأنه خلال الحرب كان ساعده الأيمن، ويلبي كل طلباته، وقبل الحرب كان أبي يهوى تربية الطيور والحمام وكان أحمد يرافقه ويساعده بذلك، عندما استشهد أحمد تعب أبي وحزن حزنا شديدا عليه".
في آخر فترات حياته، استشعر القيادي أبو عسكر باقتراب الأجل، فطلب من نجله عبد الرحمن رؤية بناته وأخواته وعماته، "في مرة من المرات قال لي: "إذا استشهدت ادفني في قبر أحمد".. يكتوي صوت نجله وهو يرثي والده قائلا: "دفنته في مستوصف الشيخ رضوان بقبر أخي أحمد، وعندما نقلنا القبرين في 7 مارس/ أذار 2025 لمقبرة الفالوجا يومها رأيت كرامة الشهداء، فلم يكن جثمانيهم قد تحللا وكانا ينزفان".
خامس الشهداء وفارسهم
في ساحة مشفى الشفاء، وبين مشرحة الجثامين كان عبد الرحمن يبكي بحرقة على رحيل شقيقه الشهيد إياد (29 سنة) الذي استشهد فجر الأحد 15 فبراير/ شباط 2026 أثناء استهداف طائرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين، والذي كان له بمثانة الأخ والأب، بعد رحيل أخوته الشهداء، خطف الصاروخ الإسرائيلي من كان يربط على قلبه.
لم يكن إياد شخصًا عاديًا، هو أحد أبطال عبور السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023 عبر البحر ضمن فرقة "كوماندوز" خاصة أرسلتها كتائب القسام، وبعدما أثخن في أرض المعركة كبد جنود الاحتلال خسائر فادحة، عاد من البر مضرجًا بدمائه مصابا بشظية بالوجه إثر استهداف من طائرة حربية إسرائيلية له أثناء الانسحاب.
بعد التعافي سطر بطولات أخرى سطرها خلال المعركة، من أبرزها "كمين الاتصالات" بشمال القطاع خلال التصدي لخطة "الجنرالات" إذ أعلن الاحتلال عن مقتل 4 جنود وإصابة عشرين آخرين، أجهز إياد على قناص إسرائيلي ومساعده من خلال تمرير الرصاص له من "طلاقة" فتحها قناصا الاحتلال في أحد المباني، ما أظهر تفوق قناص القسام على قناص الاحتلال، وكان من الذين يثبتون في عقدهم القتالية ويستمر فيها شهورًا طويلة.

الشهيد إياد (29 سنة) الذي استشهد فجر الأحد 15 فبراير/ شباط 2026 أثناء استهداف طائرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين
إلى جانب بطولاته الملحمية، حمل إياد هم إعادة الحياة والنبض إلى شمال القطاع، وزرع بزور الأمل في أرض نشر فيها الاحتلال الموت، ليقاوم الاحتلال بسيفه، ويواجه تداعيات الحرب ضمن فريق "غوث غزة" التي كان مديرا لها في شمال غزة.
يقول شقيقه عبد الرحمن بصوتٍ مكسور، يختلط فيه الألم بالفخر: "كان كل همه إعادة الحياة للشمال، فقام بفتح الطرقات وتركيب أعمدة ومصابيح إنارة، وفتح الطرق كي يسهل حركة الناس والمركبات، وتمديد خطوط مياه، وكان يجلب المولدات الكهربائية للإنارة، وفي آخر أيامه كان يحاول فتح شارع "الفالوجا" والذي كان يغلقه برجع متعدد الطوابق والذي أنجز نصف العمل قبل استشهاده. أخي كان يتفقد أعدادا كبيرة من المحتاجين ويقدم مساعدات من خيام وطرود، إذ كرس حياته في خدمة الناس خلال الحرب وفي الدفاع عن القطاع".
قبل استشهاده بيوم، اشترى إياد هدايا لطفلتيه شام (6 سنوات) وأيلول (4 سنوات). بقيت الهدايا في صندوق السيارة ولم يقدمها في الصباح، إذ حمل على الاكتاف لتودعه طفلتيه بصدمة كبيرة، يروي شقيقه وهو يحاول حبس دموعه: "قابلته قبل يومين من استشهاده، سألني عن أحوالي ودراستي كوني أدرس الطب البشري وكان سعيدا لأنني تفوقت بالثانوية وحصلت على معدل 94% بالفرع العلمي، وكان الطب وصية أبي الذي رفعت رأسه بالرغم من الفقد والألم إلا أنني تفوقت".
غاب إياد وأخوته ووالدهم عن لمة رمضان، وأصبحت مقاعدهم فارغة، اختفت صوت ضحكاتهم وحضورهم الجميل، تقول شقيقه ألفت لصحيفة "فلسطين": "كان أغلب يوم إياد يمضيه بالعمل الخيري شمال القطاع ويعود لعائلته مساء، في الفترة الأخيرة خططنا لزيارة أمي النازحة في الزوايدة وسط القطاع ونمضي معها عدة أيام، لكن كان رحيله صدمة قبل استقبال الشهر الفضيل".
كان البيت لا يتسع للمة العائلة في رمضان من كثرة عددهم، "الآن لم يبق من يملي المقاعد.. كلهم رحلوا، أتذكر كيف كان أبي يأخذ أخوتي يوم العيد ويذهب بهم للصلاة بساحة الفاخورة، ثم يعود لبيت جدي ويعيد عليه ويمضي وقتا قبل أن يأتي لزيارتنا، وكان يجمع العائلة من أبنائه وأعمامي لزيارة الرحم، كلها فرحة ولمة ذهبت" قالت بحسرة كبيرة على لحظات لن تعود، وإن كانت تفاصيلها محفورة في الذاكرة.
عن مواقفها مع إياد، لا تفر تفاصيل النزوح الأخير لمنطقة الزوايدة من حديثها، إذ كان شقيقها يوفر لهم كل شيء، ويجلس معهم طويلا. يطرق صوته ذاكرتها: "كان يقول: "عندما نعود للشمال لن أعمل سأمضي الوقت معكم وأجلس بالبيت"، لكننا كنا لا نصدق ما يقول، لأننا نعرف أنه لا يستطيع القعود، وفعلا عاد للشمال ومضى في طريق الخير حتى استشهاده".
كان إياد امتدادا لروح والده الثورية، ونبة زرعها ووضعها في قلب فلسطين ليصبح شوكةً أرقت الاحتلال، كما أرقه والده خلال مسيرة كفاحية طويلة فكان من أوائل المؤسسين واعتقل لدى الاحتلال وأجهزة أمن السلطة، ومع بداية الحرب كان والده محمد أبو عسكر أحد أهداف جيش الاحتلال، فغاب عن البيت منذ اليوم الأولى متخفيا عن أنظار الاحتلال حتى استشهد، ليخلد بدمائه ودماء أبنائه تلك المسيرة الأسطورية لعائلة "أبو عسكر".

