في الظروف الطبيعية، يُعد فقدان الوظيفة حدثًا صعبًا على أي إنسان. فكيف إذا كان القرار مفاجئًا، وتعسفيًا، ويحدث في بيئة منهكة أصلًا بسبب الحرب والانكماش الاقتصادي كما هو الحال في قطاع غزة؟
خلال الفترة الأخيرة، تزايدت حالات إنهاء خدمات موظفين في الشركات الخاصة والبنوك والمؤسسات المختلفة، ليس بسبب ضعف الأداء، بل نتيجة الانكماش المالي، وتراجع الأعمال، وتدمير مقار، وتعطل قطاعات كاملة. وهنا لا نخسر "وظيفة" فقط، بل نخسر مصدر أمان نفسي واجتماعي واقتصادي لأسرة كاملة.
لكن السؤال الأهم: ماذا بعد الصدمة؟ وكيف يبدأ الموظف المُقال تعسفيًا حياته من جديد؟
أولاً: الصدمة ليست اقتصادية فقط… بل نفسية وهوية مهنية
الوظيفة في مجتمعنا ليست مجرد راتب، بل:
• مكانة اجتماعية
• شعور بالقيمة
• نموذج يُحتذى به أمام الأبناء
• نظام يومي يمنح الإنسان معنى وانضباطًا
عندما يُفصل الموظف فجأة، يشعر بأنه فقد دوره في الحياة، لا مجرد عمله. الجلوس في البيت لفترة طويلة دون خطة بديلة قد يؤدي إلى:
• تراجع المعنويات
• توتر أسري
• فقدان الثقة بالنفس
• مشكلات صحية بسبب الضغط النفسي
لذلك، أول خطوة في التعافي ليست مالية… بل نفسية:
الإقالة في زمن الحرب ليست فشلاً شخصياً، بل نتيجة ظرف قهري عام.
ثانياً: مكافأة نهاية الخدمة… نقطة التحول الحاسمة
مكافأة نهاية الخدمة هي العامل الاقتصادي المفصلي الذي يحدد شكل المرحلة القادمة. ويمكن تقسيم الحالات إلى ثلاث فئات:
- مكافأة كبيرة نسبيًا
(تكفي لتغطية نفقات سنة أو أكثر)
هنا أمام الموظف خياران أساسيان:
أ. وديعة أو استثمار آمن منخفض المخاطر
إذا كان:
• عمره متقدم نسبيًا
• صحته لا تساعده على بدء مشروع
• لديه مسؤوليات عائلية كبيرة
فقد يكون الأنسب وضع المبلغ في:
• وديعة بنكية
• مشروع صغير جدًا قليل الجهد
• مشاركة صامتة في مشروع قائم
الهدف هنا ليس الربح الكبير، بل تأمين دخل ثابت يحفظ الكرامة والاستقرار.
ب. شراكة في مشروع
إذا كان:
• في عمر إنتاجي
• يملك خبرة إدارية أو فنية
• لديه شريك موثوق
فالمكافأة يمكن أن تتحول إلى رأس مال لبداية جديدة مثل:
• تجارة صغيرة
• خدمات مهنية
• نشاط مرتبط بإعادة الإعمار
• عمل عبر الإنترنت
المهم: لا يضع كامل المبلغ في مشروع واحد دون احتياطي للطوارئ.
مكافأة متوسطة
(تكفي لأشهر محدودة فقط)
هنا لا يُنصح بالمغامرة الكبيرة. الأفضل هو استراتيجية مزدوجة:
• جزء يُخصص للمصاريف المعيشية لعدة أشهر
• جزء صغير يبدأ به نشاط بسيط جدًا (منزلـي أو خدمي)
الهدف في هذه المرحلة:
شراء "وقت" للبحث عن فرصة أفضل، وليس تحقيق ثروة سريعة.
مكافأة صغيرة أو شبه معدومة، وهذه الحالة هي الأصعب والأكثر انتشارًا.
الجلوس في البيت هنا خطأ خطير نفسيًا واقتصاديًا. الأفضل:
• قبول عمل براتب أقل مؤقتًا
• العمل الجزئي
• العمل اليومي
• التعلم السريع لمهارة مطلوبة (محاسبة سحابية، تصميم، تسويق رقمي، صيانة، إلخ)
الدخل القليل مع الاستمرار بالحركة أفضل بكثير من الصفر مع الإحباط.
ثالثاً: هل ينتظر “وظيفة مثل السابقة”؟
كثير من الموظفين يرفضون الفرص الجديدة لأنها:
• براتب أقل
• بمنصب أقل
• في مجال مختلف
لكن الواقع بعد الحرب تغيّر. الاقتصاد يمر بمرحلة إعادة تشكل، وليس عودة فورية لما كان.
القبول بعمل أقل مؤقتًا لا يعني الهزيمة، بل:
• الحفاظ على الروتين
• حماية الصحة النفسية
• إبقاء شبكة العلاقات المهنية حية
• فتح أبواب لفرص أفضل لاحقًا
العمل المتواضع اليوم قد يكون جسرًا لوظيفة أفضل غدًا.
رابعاً: العمر والصحة عاملان حاسمان
الفئة التوجه الأنسب
شاب وبصحة جيدة المغامرة المدروسة + تعلم مهارات جديدة
منتصف العمر دخل مستقر + مشروع صغير جانبي
عمر متقدم أو صحة ضعيفة دخل آمن قليل المخاطر + تقليل الالتزامات
ليس المطلوب من الجميع أن يصبحوا رجال أعمال، بل أن يختار كل شخص ما يناسب طاقته وقدرته الواقعية.
خامساً: صورة الأب أمام أسرته
الكثير من الآباء يتألمون لأن أبناءهم اعتادوا رؤيتهم يذهبون للعمل يوميًا. لكن الحقيقة أن الأب القوي ليس الذي لا يسقط… بل الذي ينهض بعد السقوط.
خروجك للعمل، حتى لو كان مختلفًا أو أقل دخلًا، يعلّم أبناءك:
• الصبر
• الكفاح
• التكيف
• الكرامة في السعي
وهذه دروس أغلى من أي راتب.

