كلمة شيرين سبقت رصاصة الاحتلال

رصاصة سلبت روح شيرين أبو عاقلة، وجمّدت عروق جيفارا البديري، وهزت كيان وليد العمري، وجعلت من غرفة صناعة الأخبار كتابًا بصفحات مهترئة من دموع قارئيه، وجملة من الذكريات التي لن تنسى.

منذ ربع قرن تقف شيرين شامخة رافعة الرأس تطلق كلمتها متزنة ثابتة، وتوصلها بدقة وشجاعة قبل رصاص الاحتلال الغادر، عدا ذلك اليوم الفلسطيني المعهود بالظلم والقهر، ذلك اليوم الذي حمل صباحه شيرين بكلماتها التي نجحت بإيصالها قبل رصاصة العدو الذي توهم بقلع عين الحقيقة وإخماد صوت الحق في قلب الميدان.

كادت أن تكون تغطية حصار مخيم جنين تغطية اعتيادية باجتياح وجرحى وشهداء، بظهورك الساطع، وأخبارك العاجلة، ونقلك المستمر، وتقاريرك المفصلة، لولا تلك الرصاصة التي هزت شجرة الزيتون، ونثرت عبق الياسمين، واحتضنت الأرض المقدسة ذاك الجسد.

يتشابه اليوم بالأمس، يتشابه بؤس هذه الأيام بمثلها قبل عام، هذه الأيام هي الذكرى الأولى لمعركة "سيف القدس" إذ استهدفت صواريخ الاحتلال الغاشم المؤسسات والمكاتب الإعلامية، والعديد من الصحفيين كسياسة ممنهجة لطمس الصورة الحقيقية عن أعين العالم، واغتيال العروبة التي تسكن كل روح تدافع عن كرامة أرضها، هذا الاحتلال الهش الذي تهزه كلمة صادقة على شاشة إخبارية، وصوت حق يرعد في آذانهم، هذا السلاح المدجج يقوى على الطفل والمسن، بل الحقيقة أن الحجر والكلمة تهزم كيانهم بأكمله.

ربما تكون الخوذة والسترة للصحفي الفلسطيني سببًا للموت وهدفًا للاحتلال، شيرين أبو عاقلة التي ارتدت خوذتها وسترتها وتسلحت بكلمة الحق كعادتها، كلمتها التي سبقت رصاصة العدو، حاشا أن تصمت هذه المرة حتى ولو كانت كلمتها الأخيرة.

صدقتِ القول يا أكثر الغائبين حضورًا حين نطقت "في بعض الغياب حضور أكبر" فصباح استشهادك كنتِ شمسنا المشرقة، وكنا كقطرات الندى المحملة على غصنك الذي لن تهزه الريح، أزهرت كلماتك من دمك الذي زاد الأرض طهرًا، وروحك التي باتت بدر التمام في ليالينا، كنت وستبقين خنجرًا في ظهر العدو، ونورًا نهتدي به طريق الحق، طريق قضيتنا الفلسطينية.

آخر ما كتبت يداكِ "أوافيكم بخبر فور اتضاح الصورة"، الحقيقة أن الصورة اتضحت وكنتِ أنتِ الخبر، أنتِ بكلماتك بوصلة تحريرنا نحو القدس، وسيبقى أثرك لامعًا كقبة الصخرة، نقيًّا كميناء يافا، مقدسًا ككنيسة البشارة، شامخًا كجبال نابلس، عليلًا كمناخ فلسطين.