الشهيدة البطلة شيرين أبو عاقلة ترتقي سلم المجد بجدارة

مرة أخرى نصحو على جريمة إسرائيلية جديدة. ومرة أخرى نعود لطرح الأسئلة البديهية. إلى متى يبقى هذا القتل اليومي والمجاني للفلسطينيين؟ إلى متى تبقى (إسرائيل) الدولة الغاصبة تهدر حياة ودماء الفلسطينيين المدنيين والمهنيين الأبرياء بهذه الطريقة الإجرامية وعلى مرأى ومسمع من كل العالم؟ ما يحز في النفس جدا هو ليس فقط الطريقة المتعمدة التي تم فيها قتل الصحفية الشهيدة البطلة شيرين أبو عاقلة، بنت القدس البارة، ولكن اللامبالاة المعتادة التي تصرفت بها إدارة الاحتلال من جهة ووسائل الإعلام العالمية مع هذه الجريمة من جهة ثانية. جيش الاحتلال اعتبر الجريمة كالعادة (دفاعا عن النفس!)، في حين أن وسائل الإعلام الغربية ذكرت الجريمة كخبر رابع أو خامس وأوردته بصورة مقتضبة. وإذا ما قارنّا رد الفعل اللامبالي هذا مع الطريقة التي تقيم فيها نفس وسائل الإعلام الدنيا ولا تقعدها على جرائم أقل بكثير من القتل العمد في أوكرانيا، يمكننا أن نفهم النفاق الغربي مع المجازر التي تحدث في فلسطين المحتلة. كذلك بين ما يتم تحويله من مليارات الدولارات إلى أوكرانيا نقدا وما يماثلها تسليحا في حين أن فلسطين والفلسطينيين يحاصرون جهارا نهار ويجوعون ويهجرون ويقتلون، ولا أحد يفكر بمآسيهم. وأن يتم تقديم عشرات المليارات إلى أوكرانيا في الوقت الذي يمتنع فيه الغرب عن دعم وكالة الغوث (الأونروا) بملايين بسيطة، الأمر الذي أصبح يهدد استمرار عمل المدارس الفلسطينية، كل هذه الأمور وغيرها أدلة واضحة على النفاق الغربي، ولكن يظل النظام العربي يعيش في سبات قاتل.

كل الأخبار تؤكد أن الشهيدة وزملاءها كانوا يقفون في موقع واضح للعيان ولا يمكن أن تخطئه العين، وكانوا يرتدون كل ما يدلل على أنهم صحفيون، وأن قوات الاحتلال لم تتعرض إلى أي إطلاق نار، بدليل أن بيان جيش الاحتلال أكد أن قواته لم تتعرض إلى أي إصابات، ولكن هذه القوات كانت قاصدة وتعمدت إسكات الصوت الذي ينقل للعالم جرائم الاحتلال وخاصة الأخيرة منها في جنين وحولها. وأن قناصي قوات الاحتلال كانوا مصرين على استهداف الفريق الإعلامي الذي ضم الشهيدة شيرين حسب روايات من كان ضمن الفريق الإعلامي المرافق للشهيدة.

هذه الجريمة وما شابهها والعنف المفرط الذي تستخدمه القوات الإسرائيلية، كلها إشارات لم تعد تدل على قوة (إسرائيل) وسيطرتها، وإنما عن ضعف وفشل لكل ما خططت له لأكثر من سبعة عقود، خاصة بعد أن وجدت أن المقاومة بدأت تكون ندا قويا، وأن جيل المقاومين الجدد بدا يظهر من داخل الأراضي التي تصورت (إسرائيل) أنها أخضعتها وغيرت تفكيرها ونمط حياتها بل وطبعتها كما تشاء. نعم إن هذا الاستهتار الإسرائيلي، زاد وتكاثر بعد ما عُرِفَ بحملات (التطبيع)، واستفاد من سكوت العالم عليه، وخاصة من قبل الأنظمة العربية. وأن هذه السياسات لا يوجد لها رادع سوى المقاومة.

فقدان الشهيدة شيرين أمر مؤلم ومحزن ومبكٍ، ولكني متأكد من أمرين: الأول أن الشهيدة كانت تتوقع أنها ستنال شرف الاستشهاد يوما ما، وهي الخبيرة بالحياة في ظل الاحتلال وتعيش بين ظهرانيه، والمطلعة على السلوك الوحشي لقوات الاحتلال، وأنها ذهبت راضية عن نفسها وفخورة بأنها استشهدت على أرض آبائها وأجدادها فلسطين الحبيبة، والثاني أن الاستمرار بهذه العنجهية سيُفَعِل عمليات استشهادية أخرى داخل فلسطين وأن دوامة العنف ستستمر ما دامت الممارسات الإسرائيلية مستمرة على هذا النمط. بالتأكيد لن تكون هذه آخر جريمة ترتكبها قوات الاحتلال، وإن اللامبالاة الإسرائيلية ستستمر ما لم تجد من يدينها ويفرض العقوبات عليها ليردعها. إن المجتمع الدولي مطالب برد مناسب على جريمة القتل غير المبررة هذه، رد يجب أن يُفهِم (إسرائيل) أن عصر القتل المجاني والعشوائي للفلسطينيين قد انتهى إلى غير رجعة. الرحمة والغفران للشهيدة شيرين وكل شهداء فلسطين الخالدة.