الصراع على الخلافة: انفجار وشيك أم انفجار مؤجل بقرار.. هل بدأ عهد الثنائي الشيخ وفرج؟

 

مرة أخرى تتوالى التسريبات والفضائح المتعلقة بفساد السلطة الفلسطينية واستيلائها على كل ما يمكن الاستيلاء عليه من حياة للشعب الفلسطيني القابع تحت سلطتها.

لا اعرف من أين ابدأ وكيف انهي قائمة ما يمكن الكتابة عنه. ان كان انتهاك حقوق الانسان الفلسطيني هو ما يجب ان يكون محور كل ما يدور حولنا، فقد تكون الاحكام الصادرة بحق النشطاء التي تتوالى هي نقطة بداية. فالتهمة مباشرة لا لبس فيها: ذم السلطة وقدح المقامات العليا. هذا يعني اننا خرجنا من مرحلة اللهو في الاعتقاد بأن هناك حقوق انسان يمكن الاحتماء بها. فإذا ما لم يكن للفلسطيني الحق في الاعتراض أو الإشارة أو التكلم عن الانتهاكات اليومية التي تغرقه بفساد وتسحقه بظلم وتزجه بالمعتقلات وتهدد قوت يومه وتقتله ان غضب عليه أولياء الامر علينا وتكافئ القتلة، فما المتبقي لهذا الفلسطيني في مواجهته للاحتلال الذي ينخر ويدق ويزج الياته وادواته وجبروته من كل اتجاه في كل ما يمكنه من هذا النسيج البالي لما تبقى لنا من كيان فلسطيني.

كيف يستطيع المواطن التصدي لهدم بيت وجرف قرى واراضي وتشريد عائلات، كما شهدنا في الشيخ جراح وما يحدث لمضارب البدو من القدس إلى النقب؟ كيف تواجه المؤسسات التي وسمتها (إسرائيل) بالإرهاب انتهاكات (إسرائيل) وجرائمها امام المجتمع الدولي ومحافله القانونية بينما يجمد رئيس السلطة اللجان المختصة بهذا الشأن؟

شعب يتم عزله وخنقه وتحييده من كل الاتجاهات بينما تحاصره (إسرائيل) بلا هوادة، وتمتص عروقه السلطة فلا تترك امامه أي مورد إلا فرصة لتصريح يمد له بعض الحياة عن طريق التنسيق الذي يستولي فيه المنسق الفلسطيني عليه قبل ان يهيم الانسان المسكين ساعيا وراء رزقة تكفيه قوت يوم عياله. هل يؤثر علينا تقرير إسرائيلي جديد يسمي ما يحصل بموضوع التصاريح انه شكل اخر من اشكال العبودية؟ هل ننتظر ان تقوم مؤسسات حقوق الانسان الإسرائيلية بالهبة على منسقها الحكومي لتحمي ولو على الأقل جزءًا من حقوق هؤلاء العبيد الجدد؟

الجامعات تتحول إلى معاقل ميليشيات تدريجيًا، فنغض الطرف. ثم ننتظر اجتياحا إسرائيليا، فنشجب. مصالح تلف حولنا من كل صوب تشد على رقابنا وتصوب نحو قلوبنا، ولا خيار امامنا إلا الالتفات إلى مصالحنا. ما يحدث في جامعة بيرزيت ضربة في كبد التعليم العالي الفلسطيني. فلا فرق في استحواذ الفصيل والعائلة والسطوة إلا باختلاف المكان. وقد يكون ما يحدث في جامعة القدس، أو على وشك ان يحدث مثالا جديدا على تحول الجامعات إلى ثكنات "حركة" لا منابر علم، في غياب التعليم الحقيقي وتردّيه، مع تردي التربية والأخلاق والقيم المجتمعية.

وإذا ما فكرنا بالصحة، فحدث ولا حرج. مشاكل المستشفيات والتحويلات والتبرعات المنهوبة لبناء مستشفى ، كتلك التي نهبت من صندوق وقفة عز. في وقت تدجنت فيه الكورونا وتأصلت، لم يبق من تأثيرها إلا استمرار حالة الطوارئ. اما الشعب فمحاصر بالكامل بين سلطات متسلطة عليه من كل الاتجاهات بلا رحمة.

هل نستطيع حتى ان نفكر أو نحلل أو نبدي الرأي بحيادية أو منطق؟ هذا أيضا لا يمكن إلا من خلال تقرير أو تحليل إسرائيلي أو أجنبي، تتسابق لترجمته المواقع أو تتبرع لنشره الصحف المحلية. ننتظر بفارغ الصبر تقريرًا إسرائيليًا سواء اتانا بفضيحة يكشفها أو يبهّرها، لنتناقلها بسرعة البرق ويضيف عليها كل من له مصلحة هنا أو هناك، مع هذا أو ضد ذاك، ونختبئ وراءها وندلي بها كحقائق دامغة. ثم نعود إلى اماكننا لنتداول الفضيحة أو التحليل القادم.

وسط كل هذا، وفي ظل انعدام الأفق من كل حل إلا تحلل السلطة ومتسلِّطيها، تستمر السلطة في مخططها لبقائها واستحواذها الأبدي، ما دامت (إسرائيل) تريد لها ذلك. ففي خطوة استباقية، كخطوات إعلان الطوارئ الدائمة، اجتمع رئيس السلطة بمركزية فتح ليسمي روحي فتوح مرشحًا للمجلس الوطني وحسين الشيخ مرشحًا لعضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية خلفًا لصائب عريقات.

وإذا ما كان الصخب الحاصل قبل هذا القرار المفاجئ باختيار الشيخ في أروقة فتح كانت نتيجته "إجماع" أعضاء المركزية، فيمكن التوقع "الاجماع" الذي سيكون تعيينه فيه أمين سرّ للجنة من قبل أعضائها المختلفين.

في ظل الفراغ السياسي إلا من رئيس السلطة محمود عباس وأعضاء فتح الأقوياء والتنظيم والمكاتب الحركية المنتشرة والمتحصنة بعتاد الأسلحة لمواجهة من يفكر ان يأخذ مكانها في السطوة، برزت التكهنات بأن المقصود بكل هذا الحراك هو جس النبض بشأن خلافة الرئيس محمود عباس، من كل من حسين الشيخ للملف السياسي وماجد فرج للملف الأمني. فلم نعد نسمع أو نرى إلا من هذين الشخصين أو عنهما على مدار الأشهر الأخيرة. ولا يهم كثيرا إذا ما فكرنا ان خلافة أي منهما قد تكون كارثية أكثر، فالحقيقة لا اعرف ان كان وجود أي منهما على رأس السلطة خلافة لما هو الآن قد يزيد من كارثية الوضع. فنحن في الحضيض. لا اعرف أصلا ماذا تعني التسوية السياسية، اذ لم يعد هناك حاجة لها. لم يعد أحد يفكر باتفاقيات سلام أو أي حل. المطلوب لمرحلة ما بعد عباس هو المطلوب في مرحلة عباس: إبقاء الوضع على ما هو عليه والتأكد من مقدرة إسرائيل على الاستيلاء أكثر والسيطرة أكثر على كل ما يمكنها من الحفاظ على مصالحها، مقابل تمكين هؤلاء السيطرة على الشعب أكثر والاستيلاء على كل ما يمكّنهم من الحفاظ على امتيازاتهم ثرواتهم وتوسيعها.

ولكن الغريب هو السكوت المحدق برجال فتح الأقوياء، أين هؤلاء وكيف يسمحون بتحييدهم وتهميشهم إلى هذا الحد؟ أين هم مما يجري وما هو الدور المرتب لهم في سيناريو الخلافة المحتمل؟

أحيانا أفكر انه من المستحيل ان تتحقق هذه السيناريوهات التي تمكن شخصًا بعينه ان يأخذ كرسي الخلافة. في السابق كان التفكير بالأمر اقل صعوبة من الان. فاليوم هناك العديد من الشخصيات التي تجد في نفسها الخليفة المستحق القادم للجلوس على الكرسي الرئاسي فور توفره. في السابق كان الطموح يبدو على بعض الشخصيات المحتملة. وإذا ما اعتقدنا ان المشكلة تتفكك إذا ما حللنا عقدة الرئيس القادم وسط طابور المنتظرين، فهناك عقدة متداخلة ومتشابكة وراء كل شخص محتمل يلتف بها عشرات ان لم يكن المئات من المنتظرين للمناصب السيادية الممكنة، والذين يلتف وراءهم بنفس التشابكات والتعقيدات الالاف من المنتظرين للمراكز السيادية في الدوائر المتلاحقة والمتتالية التي تنتهي في كل شارع أو حي يمسك زمام امره إقليم أو مكتب حركي. ولكل رجل قوي ينتظر فراغ الكرسي ليصبح هو الرئيس القادم ميليشيا مدرعة مدججة بالأسلحة تنتظر استخدامها. فنحن امام مشهد كارثي منتظر لا محالة. لا يمكن الخروج من هذا التصور لما هو قادم إلا بحرب أهلية ستطال وتحصد الكثير من كل ما هو متبقي.

فلو سلمنا مثلا ان الاختيار الواقع على تقسيم أو تسليم السلطة بين الرجلين على النحو المذكور، فكيف يمكن التحكم بمراكز القوى الأخرى في القيادة بعد رحيل الرئيس الحالي؟

وإذا ما انتهينا من التعقيدات الفتحاوية المتداخلة والمتشابكة والمتناحرة، كيف ستتعامل حماس مع الامر؟ هل ستترك مكانها في الضفة شاغرا إلى الأبد؟

كيف يمكن تفسير على ما يبدو لغاية الآن من محدودية ردود الأفعال من قبل هؤلاء الفرقاء الرافضين للسيناريو المركزي. ربما يدل هذا على وجود سيناريو آخر أكثر احتمالًا، إلا وهو توافق ضمني بين هؤلاء الفرقاء على تأجيل التعبير عن رفضهم لليوم التالي.

من كل واي اتجاه ننظر، الكارثة كبيرة. أفضل الحلول الممكنة كارثية أكثر. أفكر أحيانا ان كان هناك مكان للتفكير في انتخابات قبل فوات الأوان. ولكن أي انتخابات ممكنة، والوضع لا يحتمل تشكيل حكومة أو تعديلا وزاريا؟ كيف لنا ان نتخيل انتخابات والناس تخشى ان تتكلم أو تصدر صوتا يدخلها إلى السجن أو تقتل برصاصة ممكنة من كل صوب؟

لا نستطيع أن نتخيل أصلًا وكل القوى الموجودة تريد أن يبقى الوضع الراهن على ما هو عليه.

المصدر / رأي اليوم